المشاركات

خيمة وبتمر... يا شيخ

صورة
عدسة الكاميرا تسبق الحقيقة، تتسلل إلى قاعة أرضية لتختلس مرارة الخديعة من صورة الكتب المحترقة والممزقة وسط الدمار وبقعة من البحر. تقول المراسلة التلفزيونية الغبية «هنا، في هذا الملجأ الضخم وسط وكر الكتب المشبوهة والأجهزة الإلكترونية كان يقبع الإرهاب»! هكذا قدّمت رسالتها السامّة ومضت. وفي الحقيقة كان ما اشارت اليه ملجأ سبق تدميره مرات عدّة من قِبَل زوارق البحرية الإسرائيلية. بعدها قرّرنا بناء قاعة تحت الأرض تحولت إلى ناد رياضي، ثم الى منتدى الكرمل الثقافي، وفازت كمكتبة مدعومة من «مؤسسة التعاون» لاحتوائها آلاف الكتب والمراجع العلمية لطلبة وشباب المخيم، والأهم أنه أطلق عليها اسم «مكتبة الشيخ صالح شعبان»، بعد وفاة هذا الاخير، قبل تدمير مخيم نهر البارد بعام تقريباً. في المخيم القديم أحشاء قديمة، صوَرٌ ومشاهد تتكدّس في الخيال البعيد، لكن بالأبيض والأسود. ذاكرة متمرّدة كموج بحر عكا وخصبة كتراب الدامون. شيخ كفيف يمدّ عصاه أمامه، وينقر على حوافي الحيطان في الزواريب الضيقة. يعرف تفاصيل تاريخ المخيم وأهله، وكل شاردة وواردة ونادرة حصلت فيه.بحق هو «طابخه وعاجنه». الخبير بأسرار الحارات والتنظيما...

عاد البحر إلى المخيم

صورة
نراهم على الشاشات، ونعود إليهم كلما تحيرنا بأمر ما في الشأن الفلسطيني، هم أبناء فلسطين وبناتها، أبناء المخيم أو أقاربه، ابتعدوا او اقتربوا يبقون كذلك، بقاء الوعد بالعودة. أما اليوم، والآن هنا، فإنهم سيتخففون من السياسة ليتحدثوا كلّ بصيغة المتكلم عن «المخيم». اليوم ابن مخيم البارد، الكاتب مروان عبد العال ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مروان عبد العال تكرَّس كمتّهم، اختلفت نظرة النّاس إليه. صار معلقاً على مدار سنوات النزوح فوق خشبة صليب المخيم. دخله متردّداً وهو لا يصدق، قطع شوارعه الخلفية منكّساً رأسه مثل راية مهزومة، كأنه يبحث عن شيء ما بين تضاريس نفسه. يحدق باتجاه واحد نحو الأسفل، حدقاته تتسمر في موضع هبوط حذائه، لا يطيق أن يدير رقبته نحو الركام، ولا الى «بركسات» الحديد، رغم أنه ينحشر فيها مع إخوة الحديد والصدأ، يضج من رائحة اللحم البشري المكدس داخلها، لكنه يكره في الوحشة المميتة أن يصير الأمل ممن...

زنبقةٌ تَشقُّ بحرَ الغواية

صورة
طاب مساؤكم ، أعترفُ لهذا الحفل الجميل، إنّي وإن استجبتُ لفخامةِ المساء فقط كي ألقي التحية وأكون الشّاهد الملك على الوقع الأوّل والتّوقيع الأوّل والمولود الأوّل، حينَ يطيبُ للأنوثةِ المُشاكِسة أن تخلع قناعها البلّوريّ لنحتفي بزنبقةٍ تشقُّ بحرَ الغواية بعصا سحريّة، فَتَشْطُرُنا إلى نصفين؛ ملائكة وشياطين.هي صناعة الحرف المهمّة الأقسى مِنَ النّحتِ بالاظافر في حواف الصّخر، فكيف إن كان شعرًا ؟ أن تخلقَ كائنًا من لغةٍ أن تكتبَ عن كاتب الشِّعر! بين كائنٍ وخالقٍ هي عملية انتحاريّة بامتياز؛ مع أنّ الشّعر هو إعادة إنتاج الحياة، أي خَلْقٌ بكلّ ما في الحرف من معنى ومبنى ، موت وحياة . كائنٌ وخالق، تنبت الموهبة في بيئة نقية وتربة خصبة، ترنو إلى الضّوء، خضراء لكن حائرة وغريبة يغدو فيها الإبداعُ يتيمًا بلا رعاية حتّى ينال الأبوّة وغريبا يستجدي الاعتراف، في النّشر والتّرويج والنقد. أنتِ يا سيّدتي الحدوديّة، يا ابنةَ حولا الجنوبيّة النّائمة على هديل يمام الجليل، ترشح شعرا و تنزفُ بالقوافي ِ، كأنّ القصائد تحتشدُ لحضورِها، حتّى يبدو ما يسبقُ كلامها ليس بكلام، تحتفى مراسيم اللقاء مثل حزمة أولى من ...

جمول... وبطل "مجهول"!

صورة
حين أخبرته بقرب الذكرى "30" لانطلاقة جبهة المقاومة اللبنانية، نهض الرفيق الأشقر "المجهول" من مكانه محدقا بعينيه الزرقاوتين الثاقبتي النظر، وملامح ابتسامة سرية ترتسم على شفتيه، ثم صار يتمتم أغنية من تاريخ الثورة الكبرى بصوت فيه شيء من كبرياء رصين وحزن قديم: "طلت البارودة والسبع ما طل/ يا بوز البارودة من الندى منبل". لقد فاض بالكلام يشرح كيف قررنا كجبهة شعبية القتال تحت لواء "جمول" "كجندي مجهول" كما قال "الحكيم". أي أن نكون جزءاً غير معلنا يقاتل تحت رايتها. هذا موقف لا يصنف إلا تعبير عن نزاهة أخلاقية وضمير وطني. لقد أطعمنا التجربة من أكتافنا، ثم ينظر إلى كفيه، كانت تتصلب من البرد في مغاور الجنوب والبقاع الغربي. يهز رأسه: تجربة لا تقرأ بالجملة، هناك القليل من أعطى لهذا القرار الصحيح حقه، لقد كان أبعد من كونه قراراً صائباً ومناسباً. كان تأسيساً جديداً لوعي مقاوم نحن لسنا قوة طارئة فيها على مدى تجربة قضيتنا الوطنية. قامت الدنيا ولم تقعد لدى أجهزة الاستخبارات المعادية، يوم تداول أهل القرية خبر مشاهدتهم الفتى "الغريب...

الحضور الثقافي الفلسطيني : فخامة الغياب!

صورة
الحضور الثقافي الفلسطيني الذي هو وصف ادنى من تعبير حركة ثقافية فلسطينية في لبنان لا ينظر إليه بمعزل عن ملامح وشكل كامل المشهد الفلسطيني الثقافي والسياسي سواء كان الخاص أو العام. لذلك ارى أقرب تسمية تناسب هذا الراهن في الوسط الثقافي في لبنان هو حضرة الفراغ أو فخامة الغياب . الفعل الثقافي حسب ما نعرف كان سبّاق على الفعل الكفاحي المقاوم بل أسست له ،في البدء كانت الكلمة ، اقرأ...وفعل الثورة اندلع في فعل الامر" أكتب" اي انها كانت قاطرة ، ومجرد التوقف عن اداء الدور الريادي تفقد مكانتها وتكون نسبيا في حالة تقهقر، ولأن مشهد الثقافة الفلسطينية في لبنان الذي وصل الى ذروة الابداع في لحظة تاريخية ارتبطت بصعود حركة التحرر الفلسطينية ومكانة القضية الفلسطينية. وفخامتها اقترنت بالاسماء التي اتحفتها بالحضور . عوضا عن تحدى المنفى وما له وما عليه . مسؤوليتنا استثنائية في ظل تحدى استثنائي، لأننا ننتمي الى ثقافة منفى وليس ثقافة منفية اي ان تكتب من المنفى وعينك على وطن ، ينتجها وعي جماعي شكل حاضنة وبيئة إيجابية للذاكرة والهوية والحلم . "أكتب كل شيء لاعثر على جذوري ثانية" كما...

أنا والفدائي والشنفرى

صورة
عُثر في جيب القتيل على دفتر جيب مدرسي بحجم الكف ، غلافه بلا لون لكنّه مخضّب بالدماء، يده اليسرى المثنية إلى أعلى الصدر تمسك قلماً، والأخرى تمتد تحت سترته بكفّ يدٍ مفتوحة الأصابع لتلامس التراب، يوحي شكلها كأنّما كانت تمسك ببندقية. تكوّمت حوله أعشاب خضراء تشوّهها بقع من دم ناشف وأغلفة فارغة من طلقات الرصاص، وبعض زهرات حمراء من البرقوق، تلازم حدود الجثة. القبر أيضا منضدة للكتابة، فيها أوراق بيضاء مطوية على خطوط سرية فيها أسماء وعناوين وتاريخ الالتحاق بالثورة، ولم ينس أن يدّون مكان وتاريخ الميلاد بالسنة والشهر واليوم والساعة. أدركتُ يومها أنّ ثمة كلام لا يقرأ بالعيون أيضاً. لم أدقّق باسم القتيل المستتر ،كل ما عرفته أن جنسيته عراقية، هارب من استبداد النظام ليقاتل مع الثورة في الجنوب ويستشهد في بيروت عشية أجتياحها عام 1982م وبرصاصات عاهرة أطلقها مخبر سري، بعد تعاون متخصص بين عدة اجهزة مخابرات عربية. انتحل إسماً حركياً، "الشنفرى". هنا يرقد أحد صعالكة العرب، ولا يدري به أحد، تحضنه جذور صنوبرة في مقبرة الشهداء على دوار شاتيلا . صحيح أني تعبت من السير في الجنائز، ومن زيارات ...

قال بطل الرواية:

صورة