الثلاثاء، يوليو 11، 2017

شكراً لك أيها "اللاشيء"

نص قراءة في ديوان " لا شيء فيكُ سواي

مروان عبد العال
تسلل الى يدي ديوان " لا شيء فيك سواي" للشاعر باسل عبد العال، وأعترف أني كلما تجرأت على الاقتراب منه، أعود أدراجي خائباً... السبب يخص الابوة الروحية ، في حالتي تجعل من بوح الشاعر يلتحم بحالة المتلقي ، فلا تعرف ان كنت انت الذي تكتب ام الذي يقرأ... وخاصة حين قال في أول بيت في اول قصيدة :  
الشعر بيتي حين أدخل فيه/ أصرخ في فناء البيت حراً
ولأن النص يمتلك قوة الغاوية ، فهو لم ينبثق في فراغ ولا يؤول الى فراغ ، يتحدث عن أماكن حميمية ليست بأرض خلاء، يولد مع شغف البحث فاللاشيء الذي هو انت وسواك  وفي ذاتي كذلك ، ليستدرجني بذكاء إلى باقة ديوانه المكون من  ال22 قصيدة.  لأكتشف أن اللاشيء كان شيئاً، زادني فخراً بما قرأت وندماً لأني أجلت، فما احتواه اللاشيء هو دُرة الشعر حضوراً ووضوحاً ورسوخاً في الذاكرة الجمعية في غربة قسمته الى قسمين ، تحسست اجزاء نفسي لأدرك أني قسم من النصفين ، لا اعرف ايهما أنا ولكنهما حتما متشابهان الى حد التلاحم... مثلما كتب في قصيدته" وحيد الخطى":
ونصفي الشبيه يغيب نصفي/ متى نلتقي يا صديقي الحنون.
والشبيه في اللاشيء هو قصيدته المعنونة ب" شبيه أنكيدو" هنا تولد مسحة صوفية غامرة  وأهمية استثنائية وإن كان باسل  لا يألف مكانا "كانت فيه الساعة تعمل كالساعة " ليبوح بالقلق حين يكملها في قصيدة " ساعتي حين انكسرت" يعرفها بأنها:
الساعة التي صارت تشرد/ بين الوقت وبين النوم / وحلمي كان يصافح كف الحلم 
تنساب القصائد في سجال ذاتي، كي يعلن في قصيدته " صداع" عن ذاك  التمرد المكبوت في السؤال :
صداع شديد ومثلي ينام أسير السؤال/ ..... الى ان ينهي القصيدة بصرخة مفادها: قل للمكان سأحميك أنت الذي لا الذي لا يباع/ صداع على قمة الرأس / رأسي التي نهشتها الضباع، / صُداعي صُراع.
ثم يتحول هذا اللاشيء بخفة الى " نرسيس"  الفتي الذي يشبه فراشة  يتنقل و " بعد الثلاثين السريعة مثل رمش العين" من زهرة إلى أُخرى فلا يكاد يستقر ببقعة حتى يغادرها إلى غيرها وذلك قبل أن تخبو شعلة الحب واللمعان والدهشة التي يحملها لها في قلبه ينبش لها حجر الوقت ليعثر فيها على ما تبقى منه من ذاكرة تستقر في كل مكان أقامَ فيه .
ابدع الشاعر  حين ركب " حصان طروادة" من عاصمة إلى عاصمة ومن مدينة إلى غيرها، سجل برمزية عالية تجربة السفر والترحال والغربة بين الامكنة،  فأزاح الستار عن خبايا نفسه ووجه "هيلين"  مرهف جسدت ملكته الشعرية ورقة ذوقه المفعم بالحنين  للوطن الذي يسكنه ، ويد ابي لهب وما حل بالبلاد من شآم حتى سبأ...
يستحق "اللاشيء" ان يكون فينا، اسطورة الشاعر : باسل عبد العال ، الذي استطاع ان يجعله ينهض مثل اسطورة طائر الفينيق،  بل أن يستنطقه شعرياً ، وليخرج من سجن الرماد. شكراً لك ايها اللاشيء الذي اشعلت روحنا ببراعة الشاعر وحملتنا إليه شوقاً وحباً لنلتقي على متن الشعر ان استحال البيت والمخيم وسافرنا معه وبه إلى أمكنة أخرى عابرة للحلم ، فهو ينشد في القصيدة :-
نحن هناك أحياء كما قال النبي/ وسار في درب السماء الى الأمام.

الاثنين، يوليو 10، 2017

غسان كنفاني ..و مازال سؤاله يؤرق العالم

لصحيفة " آخر ساعة " المغربية ،عبد العال : غسان كنفاني كان عاشقاً حتى الموت ويومياته تعج بالحياة ..
 

اصدرت صحيفة "آخر ساعة "المغربية  ملحقاً خاصاً عن غسان كنفانب بعنوان : ( 45عاماً على رحيله مايزال حضوره الاقوى في الادب والسياسة).
تضمنت مقابلة مع الروائي والقيادي في الجبهة الشعبية الرفيق مروان عبد العال..

حوار:  الاعلامية فاطمة حوحو

1- سؤال : رغم غياب غسان كنفاني ما تزال قصصه حاضرة بقوة في الساحة الادبية وما يزال اسمه يتردد ككاتب فلسطيني اول، الى ماذا يعود هذا الشىء لابداعية غسان في الكتابة او لحضور القضية التي مثلها سياسياً؟

1-جواب : لأن غسان كنفاني كان نموذجاً للمثقف الثوري ، لا ينطبق عليه وصف الكاتب ونقطة او السياسي بالمعنى الضيق للسياسة، فكرته خالدة لأنها شاملة لا يؤسرها البعد الواحد ولا تعداد سنوات الغياب... وهو الذي آمن بزمن الاشتباك التاريخي الشامل ويصر انه على السياسي ان يكون مثقفاً والمثقف سياسياً . وظل يمتلك قوة الحضور وقد عاش زمن  قصيرالذي لم يتجاوز 36 سنة عند اغتياله ولكن فعله الابداعي لم  يفقد صلاحيته بعد لأنه واقع معاش، ولا حتى مدته الزمانية لانه ظل عابراً لحدود السياسة الضيقة. وهذا يعود لعدة اسباب: 
أولها:  القدرة الهائلة على الأضافة، غسان كنفاني قُتل بعبوة ناسفة لأنه أضاف للقضية ولم يصعد على ظهرها، لم ترفعه هي بل أخذها الى كل العالم ، المبدع الذي نسج زمنه الفردي على مقاس الزمن الجماعي. واقام  جسر الضرورة بين الادب والسياسة. فمنح الاثنين قوة سحرية لا تتضاهى... 
ثانياً : امتلال سلاح القوة الابداعية  في المعركة ، من خلال الإلتحام بين الرؤية الفنية لواقع معاناة الانسان الفلسطيني بتلازم بين الشرطين  التاريخي والانساني دون تغييب  رؤيته العميقة للصراع ، فأستطاع ان يكون رسولاً للقضية، ليس عن طريق الشعارات او الشتائم او التحريض والغرائز ، بل استخدام العقل  وعبر تحويل الادب ليكون علم جمال المقاومة. 
ثالثاً: الحضور الموضوعي لأن  الرواية مستمرة !  والتغريبة الفلسطينية تحولت بأزمات المنطقة الى تغريبة عربية.. الموت بالخزان خنقاً او غرقاً ، والمخيم اصبح حالة عالمية لذلك اتسع الوجع والسؤال المكثف والمستعاد : لماذا لم يدقوا جدران الخزان؟ والاسئلة هي الأسئلة.

2- سؤال : على الصعيد الانساني كيف نفهم غسان في حياته اليومية وفي رسائله الخاصة وفي علاقاته في العمل وصداقاته؟

2- جواب: غسان كنفاني العاشق حتى الموت، يومياته  تعج بكل اسباب الحياة  ولكنه عاشق يقاتل حتى الموت ، يكتب ويرسم ويحرر ويجتمع ويجادل الرفاق ويسهر ويحب وفي الليل يكتب القصص القصيرة وقصص الاطفال ويجلدها ويضعها على وسادة ابنة اخته لميس التي استشهدت معه، لتقرأها بعد حضورها من المدرسة. يتعرف على آني هوفر، ورأساً بصدمها بالسؤال تتزوجيني؟؟؟ وتزوجها.. ثم انجب فايز.. وكتب اجمل الكلمات عندما شاهده جنيناً يولد للمرة الاولى. ويجد وقت للسخرية  باسماء مستعارة، ورسائل العشق والشعر كأنسان يبحث عن انسانيته حتى اخر نبضة قلب. لماذا كل ذلك؟ هناك عبارة  تلخص كل شيء وقد صاغها في قصته الصغيرة في جنازتي تقول:اننى امش فى جنازتى رغم انفى... لا اعرف ان كان غسان كتبها لأنه مريض بالسكري ويعالج نفسه بنفسه؟! هل كان يسابق الزمن؟؟  وفي ذات القصةالتي بمثابة وصية مبكرة وانسانية عميقة  يقول  "انت لا تعرفين انك اضعت على فرصتى الاخيرة فى ان استعيد انسانيتى التى امتصها المرض حتى آخرها .. انت لا تعرفين كم حرمتنى من وسيلتى الوحيدة التى كنت اريد فيها ان اقنع نفسى باننى ما زلت استطيع ان اكون شجاعا .. و بدت لى حياتي صدفة فارغة لم يكن لها اى معنى .. و ان اخطاء العالم كلها تلتقى عندي.."

غسان كنفاني ترك لنا شيئاً لا يذهب



المفكر الذي لم يخسر معركته ضد العدم، الشاب الذي قدّم نتاجاً متدفقاً غزيراً لا يشيخ
مروان عبد العال 

أعترف أنني كنت قد سمعت باسمه للمرة الأولى يوم استشهاده. لم أكن أعرفه قبل ولم أحظَ بمقابلته في الحياة، وهذا شرف لا أدّعيه وإن كنت أتمناه. ترسّخ في ذهني شهيداً، منذ تردد اسمه «الشهيد غسان كنفاني» وسط أناشيد ثورية تصدح من مكبر صوت مثبت فوق خزان المياه قرب مكتب «الجبهة الشعبية» الكائن في الطرف الساحلي من المخيم ذات صيف وسط لهيب تموزّي وضجيج وغضب وزحمة شباب، ولعلعة الرصاص في الهواء... لم أفهم ما يجري حينها.

غسان الشهيد

قرأتُ غسان الشهيد بقرار حزبي. كان كتابه هو المادة التثقيفية للمرتبة التنظيمية. كان هناك نسخة واحدة للكتاب لدى المسؤول فقط، والقراءة يقوم بها عضو من المرتبة فيما يستمع الباقون، ثم نتوقف عند فصل محدد لإفساح المجال للنقاش والاستفسار والتحليل، على أن يستكمل الفصل التالي في الأسبوع الذي يلي. صرتُ أكثر شغفاً للاجتماع المقبل لمعرفة البقية، لاستطلاع غسان الأبعد من الشهيد، ليتحول إلى المعلم والراوي والقائد، بل يزداد حضوره كلما ازدادت المعرفة به أكثر، كأنه ترك للقارئ رأسمال البحث عن هوية في رصيد من تساؤلات مستمرة، وأكتشف نفسي في نصه الجديد وفكرته المبتكرة، أحس بأنه يعنيني في الصميم، كأنه يكتب لي حكايته، أتخيل أبطاله يجولون في الأزقة وناسه كل الذين حولي، في رياض الأطفال المنتشرة باسمه في المخيمات، وبأغاني تصدح من حناجرهم الطرية «غسان... غسان علّمنا حب القضية» فيخترقنا بدقة تعبيراته ليصل عمق الوجدان، ويستولي على الروح والتفكير. ولم أكن وحدي على هذا الحال، فقد قاسمني بذلك رفاق وأصدقاء على مقعد الدراسة وفي أزقة المخيم. وأقرّ أن غسان كنفاني استدرجنا إلى غواية القراءة التعارفية إليه والمطالعة التفاعلية في كتاباته ومقالاته ودراساته.

الرفيق غسان

بقرار طوعي، اعتبرت نفسي أنتمي إلى الرفيق غسان كنفاني، المثقف الثوري، الذي صاغ المفهوم الأعمق والأدق للعمل السياسي، مشاركاً في المراحل الأولى لبلورة استراتيجية الصراع، وبناء الحركة الوطنية الفلسطينية كحامل وطني للمشروع التحرري. نبحث عن مقالاته في ملفات مجلة «الهدف»، نقرأ حواراته الفكرية القديمة كأنها بنت الساعة، ونعصر جملة المفاهيم الثورية التي صاغها حول الوحدة الأفقية بين الفصائل والتنظيمات، والوحدة العمودية، أي بين التنظيم السياسي والجماهير. وأن الوحدة لا تعني التماثل، إنما صلابة وطنيتها ووحدتها تكون في التنوع والاختلاف وتعدد الآراء. حول الدولة «المسخ» التي لا يمكن أن تقوم على فلسطين ناقصة. تعلمنا منه أن الحس السياسي هو الفطرة التي تؤسس للوعي المنضبط لقاعدة التناقض الرئيسي مع العدو، وما تفعله الحساسية السياسية التي تحول السياسة إلى حنكة وفهلوة وشعاراتية وكلمات عرجاء تنهك القيم واللغة، الذي يدرك أن لا حياة بدون ماء لا سياسة من دون ثقافة، وغسان كنفاني المناضل الذي صاغ مشروع الاشتباك التاريخي المجتمعي، وانخرط فيه بكل تفاصيل حياته، فلم يكن مكانه بين المثاليين الذين يكتفون بالثرثرة، المقيمين في صالونات وقاعات المؤتمرات المدفوعة الكلفة والأبحاث، وزمن الثقافة المدفوعة الأجر من صناديق الدول المانحة وبنوك التمويل الدولية وشيكات التسول لصناعة مفردات الترويض والتطبيع والتمييع. 

غسان المفكر

المفكر الذي لم يخسر معركته ضد العدم، الشاب الذي قدّم نتاجاً متدفقاً غزيراً لا يشيخ، أغنته ثقافته الواسعة، واعتماده على مصادر ثرية ومتنوّعة. قدّم مادةً علميّة تستحقّ أن تدرّس في كليات العلوم السياسية، وما أبدعه في مجال البحث والأدب والفكر والسياسة تميز كأسلوب في المقاومة الثقافية، ولا بدّ أن يأخذ مجراه في الوعي السياسي المقاوم للمشروع الصهيوني. 


علّمنا غسان المفكر طريقته في وعي الآخر بمنهج التقابل في التعاكس كوسيلة هجومية في تشريح مركبات الفكر الآخر، ومراجعة المسار التاريخي لعملية الصراع وأصله الفكري، وأساس «الرواية الصهيونية» التي تدرجت منذ بدايات القرن الماضي لتشويه الوعي الحقيقي وصناعة هويّة سياسية أساسها طمس وإلغاء هوية الآخر. بحثٌ بعمق في صورة البطل المخترع الذي يظل كمعطى وصفي للشخصية؛ لكنه ليس هو الشخصيّة دائماً، وتتجلى صورة الآخر بالصدمة التي أحدثها مؤخراً صاحب «اسم الوردة» المفكر والروائي الإيطالي أمبرتو إيكو، عندما كتب روايته قبل الأخيرة «مقبرة براغ» فكتب: «من أكره؟ اليهود، قد أقولها من دون تفكير، ولكن بما أنني أخضع إلى تعليمات هذا الطبيب النمساوي (أو الألماني) قد أقول إنني ليس لدي أي شعور سلبي تجاه هؤلاء اليهود الملعونين». لتضرب بعد شهر من صدورها رقماً قياسياً في مبيعاتها: سبع طبعات متتالية خلال شهر واحد حتى وصل رقم المبيع إلى 600 ألف نسخة والسبب يعود إلى أنها رواية تشير بشكل عام إلى فكرة «الشر بالمطلق» فلسفياً.
الرواية التي دفعتني للعودة إلى دراسته في الأدب الصهيوني، عندما تعرض أمبرتو إيكو لهجمة شرسة وأتهم باللاسامية، لأن الرواية كما يقول، بطلها بائس ومزور وقاتل، وجاسوس متعدد المواهب، متورط في قضية درايفوس، الكابتن اليهودي الذي خدم في الجيش الفرنسي ثم سرعان ما واجه اتهاماً في قضايا تجسس، كما جعله الروائي يشارك في صياغة «بروتوكولات حكماء صهيون». الصورة النمطية التي يقولبها الغير مسبقاً عنك ويفبركها، تترسخ الصورة كالحقيقة عن شخصيتك في الأذهان. البطل الجديد الذي سعت الصهيونية لرسمه عبر تسييس شخصية اليهودي، هذا الآخر الذي فكفكه غسان كنفاني مبكراً، عندما أدرك حجم المعركة الفكرية التي تخوضها الصهيونية لاستعادة شخصية «اليهودي» الضحية لدى الآخرين للتأسيس للعنصرية.

لعنة المنفى

نجد أنفسنا في المعاكس الذي تناوله في وعي الأنا بقراءة عميقة لثورة 1936 مراجعة تاريخية يدرس فيها أسباب عدم انتصار الثورة حينها، مستنتجاً: «أن الذي يقاتل لا يقود والذي يقود لا يقاتل». وفي دراسته للأدب المقاوم تحت الاحتلال كتب غسان «أن الشكل الثقافي في المقاومة يطرح أهمية قصوى ليست أبداً أقل قيمة من المقاومة المسلحة ذاتها» تجلت في شخصية البطل في رمزية يمكن تسميتها «لعنة المنفى» حين اكتشف غسان أنه لاجئ بلا بلد، بلا عمل، بلا وطن، بلا نظام، وبلا تنظيم سياسي، له حقوق إنسانية وليس كحقوق سياسية. جسدتها مجموعته «أرض البرتقال الحزين» وهي أوراق قصصية من غزة والرملة والطيرة، سجلت «نوستالجيا الوطن»، من قهر المنفى وطرحت ذلك التساؤل: كيف يمكن محو العار؟ شق طريق نحو المستقبل؟ البرتقالة الجافة، وللقصة بعض من سيرة الكاتب الذاتية: عائلة تغادر عكا إثر الاحتلال إلى لبنان، وعندما يرى رب العائلة البرتقالة في طريقه، ينفجر باكياً. لم يستطع احتمال خزي المنفى: والخيمة وبطاقة التموين وكيس الطحين والتسول فيتمنى الموت، وهكذا نجده يحتضر، وإلى جانبه برتقالة جافة. تظهر شخصية الفلسطيني اللاجئ، هي سيرته التي عاشها بتفاصيلها وبالسنوات الست بين دمشق والكويت، ثم عمان فبيروت التي وسمت حياته، إذ كان يمارس أثناء فراغه الرسم والكتابة والقراءة، قراءة الأعمال السياسية. ترافق المنفى في المنفى مع ولادة الأشكال الجنينية للتنظيم عبر عمليات فدائية من قطاع غزة وسوريا التي جعلته يستعيد الشعور بوعي نفسه كذات وطنية فاعلة، أسهم غسان كنفاني برصد تطور الشخصية الوطنية مدّها برمزية مفردات جديدة أضافت للأدب معايير جمالية جديدة.
وفي قراءة المتعاكس الآخر للمنفى الفلسطيني، نجده يكتب التحولات التي أحدثها الأدب الصهيوني في الشخصية اليهودية، وما فعلته بيدها في صناعة «الغيتو»: «تخوض قتالاً مريراً لا يوازيه في تاريخها إلا القتال على جبهة كاملة هي جبهة رفض الاندماج». لذلك تخوض أيضاً صراعاً مبكراً لتحويل شخصية «شيلوك» اليهودي المحتال في مسرحية شكسبير «تاجر البندقية» إلى شخصية اليهودي التائه ابن «الغيتو» والمنفي والضعيف، ثم إلى صورة شخصية اليهودي الذكي والمحنك والعبقري والقوي. اقتحم غسان كنفاني معقل المركزية الأوروبية وطبيعة الصراع الدائر داخلها والدور الذي لعبته دانييل ديروندا في لحظة حاسمة من تاريخ يهود أوروبا، بمواجهة دعاة التعصب، ونقلت الشخصية اليهودية في الأدب من مجالها الواقعي إلى مجال المغامرة والغزو وجعلت منها «بطلا» عنصرياً أقنع تيار التعصب بضرورة إعادة استعمار فلسطين. وترجم للعبرية حتى أضحى «إنجيلاً صهيونياً». وقد أطلق الصهاينة اسم جورج اليوت على أحد شوارع تل أبيب بعد احتلال فلسطين مباشرةً. أن يذكر بأن الصهيونية الأدبية سابقة على الصهيونية السياسية، وأن هيرتزل بدأ روائياً قبل أن يكون سياسياً.

وعي المنفى

مفتاح فلسطين ليس الصحراء... بل الحقيقة. هذه خلاصة الموت الحتمي لشخصيات «رجال في الشمس» ولا جنة بديلة عن جنة فلسطين، كما أوجز في مسرحية «الباب» وأن كل محاولات بناء جنة أخرى في المنفى ستبوء بالفشل. وبعبارته الفنية الرائعة: «لا أرتد حتى أزرع في الأرض جنتي.. أو أقتلع من السماء جنتها.. أو أموت أو نموت معاً». وفي روايته (القبعة والنبي) صرتَ نبياً يبحث عن قبعة. حتى تبلور الوعي بأهمية المرجعية الفكرية. النبي هنا هو المقاتل الذي سيبشر بإيديولوجيا جديدة (الشيء/القبعة). وتتبلور شخصية البطل أكثر في «عائد إلى حيفا» كان يتحدث طوال الوقت عن بيته وابنه والبحر، في المنفى ومن خلال الماضي غسان كان يفتش عن فلسطين الحقيقية.

غسان المخيم

كان الراوي ينطق بلسان البطلة في «أم سعد»، تلك الإنسانة التي تعيش في مخيم البؤس وتدلي بفكرته التغييرية «إن الثورة لا يصنعها البؤس بل وعي البؤس»، هذا يذكرنا بما أورده فرانز فانون في كتابه «بشرة سوداء قناع أبيض»، يقول: «إن الحل لا يكمن في الزنوجة. فالذي يمجد الزنوج لا يقل مرضاً عن الذي يكرههم»، والذي يخلد اللجوء، ويسعى لتحويله من حالة سياسية إلى حالة إنسانية، لا يقل حقداً أو تآمراً لتصفية القضية بدل حلها، وكي تتكرر النكبات وتأبيد حياة الخيمة، ليست خيمة المقاتل بل خيمة اللاجئ التي تنتشر وتتوسع وتعبر الحدود والقارات. عوضاً عن خلق فزاعة المخيم، لتدمير القلاع من داخلها، ليصير كل مخيم يبحث عن مكان وأمان وعن لقمة عيش، بدل أن يبحث ويناضل ويسير على طريق العودة إلى الوطن، وليس طريق قسري نحو منفى جديد. وصف هذه الحالة في قصة قصيرة له لا زالت وقائعها حتى اللحظة «ألست ترى أنكم استطعتم نقلي، وبقدرة قادر من إنسان إلى حالة؟ أنا إذن حالة لمخيمات كقيمة تجارية تدر الربح وقيمة سياحية وقيمة زعامية، فكل زائر يجب أن يذهب إلى المخيمات وعلى اللاجئين أن يقفوا بالصف وأن يطلوا وجوههم بكل الأسى الممكن زيادة على الأصل، فيمر عليهم السائح ويلتقط الصور ويحزن قليلاً، ثم يذهب إلى بلده ويقول: زوروا مخيمات الفلسطينيين قبل أن ينقرضوا». 


لذلك وضع غسان كنفاني الاسم الأول على لائحة الاغتيال، التخلص من هذا العيار الثقيل من القيادة «البطل الإيجابي» ليفسح المجال لقيادة الوزن الخفيف وتعميم شخصية «البطل السلبي» كأبي الخيزران مثلاً، المهرب الذي لسان حاله يردد «معك قرش تسوى قرش!»، يستهدف البطل الإيجابي ذلك المناضل الثاقب النظرة والحاد الذكاء. كما ظهر جلياً في مقابلة مصورة منذ 1972 عندما سأله كارلتون: «تتكلمون عن احتمال ألا تقاتلوا». أجابه غسان بسرعة استنكارية: «لا نقاتل من أجل ماذا؟».
أدركت أن هذا الصنف من الرجال لا يقاتل بسلاح عادي، وليس من الذين تتم هزيمتهم بسهولة في ساحة المعركة! قد ينتهي جسداً لكن فكرته باقية، قوته في العبارة التحررية «لا»، الكلمة التي يكمن فيها جذور التمرد، فالمقاومة للمستعمر تبدأ من قول «لا» لتصبح إثباتاً لحرية الإرادة في الإنسان وبخاصة حينما يقول الجميع «نعم» وهذا الأمر يتعلق بالغالبية. وكما استنتج المفكر تودوروف أنها تصبح أكثر خطورة لأننا امتثاليون نوعاً ما، ومستسلمون في غالب الأحيان. لذلك كلمة «لا» تعني رفض منطق المستعمر، أما كلمة «نعم» فهي إشارة بقبول حتمية الاستعمار.
في الوقت الذي يؤدي فيه الموت رقصته الأخيرة، من ضفاف الفرات إلى قلعة الشهباء التي أحرقت بالأمس مسرح الخراب، وأزاحت الستار عن بشاعة النص وفظاعة الدور، ولأن الفكر يضبط ويوجه السياسة، لنجيب عن سؤال من أين أتى هؤلاء بكل هذه الجريمة؟ حتماً الأصل في الفكر الظلامي الأحادي، سواء كان من الصنف «الأفيوني» بحسب ماركس أو «فيتامين الضعفاء»، بحسب ريجيس دوبريه. أم فيروس أو الجرثومة المناط بها الفتك بالأنسجة الحية لكل خلية وطنية في أي مشروع ثقافي نهضوي وطني أو قومي.
لا يموت غسان إلا إذا أسقطنا «الكنفانية» عندما نردد رطانة السياسة بإقصاء الثقافة، ما قيمة الشعوب بلا رموز؟ والأوطان بلا مقدس؟ وما معنى كرامة الإنسان من دون الاعتزاز بالنفس؟ والثقة بالمستقبل وتحقيق النصر. لأنها البطولة المستمرة من جيل ولد نشيد القضية ومستمدة من الرجال والبنادق، إلى مطاردة الشهداء الذين كتبوا بدمهم كل فلسطين، وتسليم قاتلهم الغاية الكبرى لتضحيتهم. لأنها فكر التحرر في رواية فلسطينية أسطورية ستنتصر على الخرافة، لأن نسجها من خيوط الحق والحقيقة وهي فينا باقية، شيء لا يرى ولا يمس ولا يذهب. الكلمة الرصاصة في معادلة القوة الناعمة والممتنعة والمتجددة. تؤمن «الكنفانية» أن في هزيمة الكيان الصهيوني هزيمة لكل ما هو متخلّف في الحياة العربية، لأنها كانت في الإضافة الحسية للقضية الفلسطينية، أعطتها ولم تأخذ، حملتها إلى الإنسانية ولم تحولها إلى منفعة آنية، تلك «الكنفانية» التي توجس خطرها العدو في جيل انقلاب جديد يحمل قنديل الحرية إلى قصور العتمة والظلام والظلم والظلامية، جيل كان قد بشّر بغسان وهو من عبّر عنها بقوله: «لقد دهشت حين سمعت مجدداً حوار أبطالي حول مشاكلهم، واستطعت أن أقارن حوارهم بالمقالات السياسية التي كنت قد كتبتها في الفترة الزمنية ذاتها، فرأيت أن أبطال القصة كانوا يحللون الأمور بطريقة أعمق وأقرب إلى الصواب من مقالاتي السياسية».
أخيراً، باقة ورد وفي ذكراك وإن كنتَ تعتبر أن الورد شيء يذهب. غسان ترك لنا شيئاً لا يذهب...
* قيادي في «الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين»
http://www.al-akhbar.com/node/279926

الأربعاء، مايو 24، 2017

"شيرديل الثاني " رواية ترتقي الى درجة الملحمة الانسانية !


 رفيقي العزيز ، ســــلام

أتممت قراءة الرواية التي كتبتها تحت عنوان شيرديل الثاني ونشرتها بدار الفارابي سنة 2013 وتفضلت بإهدائها لي ذات مرور لك بتونس في شهر مارس - آذار 2017 ، بل لعلني أعدت قراءة بعض مقاطعها لأن كل كلمة فيها حبلى بمعانيها الحضارية والنضالية والتاريخية، وكل جملة تشكل لوحدها فيلقا من المعاني والأسئلة...
أما عن شخوصها القادمين فعلا من  زمن ألف ليلة وليلة والذين يعيشون حقا " بنصف ظل وبنصف شهادة" في أغلب الحالات فإنهم ناطقون بمعاناة جيلنا وبقساوة اللحظة التاريخية التي جعلتهم ككاتب يتحركون في إطارها ألا وهي لحظة غزو الصهاينة للتراب اللبناني سنة 1982 حيث خرجوا  من ثكناتهم بالأرض المغتصبة يلاحقون صورة الفدائي أكان فلسطينيا في شكله الغالب أم قادما من  أقطار عربية أخرى مجسما للبعد القومي للقضية أم يابانيا أم فارسيا مجسما لبعدها الأممي...
ودعني أقول لك هنا أنني وجدت كلمة رواية لا تفي بوصف ما خبرته من خلال عذاباتك وسعة اطلاعك ، لأن ماكتبته يرتقي -وأنا لا أجامل - إلى درجة الملحمة وهي ملحمة تتجاوز إطارها زمانا ومكانا لتأخذ بعدها الإنساني الكامل ، فهي قد ذابت فيها فعلا " كل الأجناس" ...و" كل الأديان" ليبرز من خلال سطورها  "الإنسان" ...
وما بين شيرديل الأول وشيرديل الثاني وسرجون وأم عسكر وبتير ويافا وأبو سعد وشتاير وغيرهم يلبس الشخوص أدوارهم المختلفة والمتعددة ليقع التفريق الجوهري عند النهاية بين "راتب الجندي" الذي يجري وراءه طمعا وبين  "راتب الفدائي" الذي يقبله عن مضض تحتيما من الضرورة..و"تلهج الكلمات باحتراق الشوق بين أضلع النسيان"  وتنفجر ينابيع الحب صافية طورا وملوثة طورا آخر، وتتدخل وكالات الأنباء المحلية والدولية لملاحقة الأبطال الذين اجترحوا المعجزات في أيام الاشتباك والصدام وذلك في مطارات نفيهم الأخير بينما يملأ الخونة من أمثال سرجون جيوبهم بالذهب المنهوب من جهد الفدائيين ومن دمهم ويعتبرونه حصتهم من "تركة النضال " وهم الذين لم يشاركوا فيه إلا لتشويهه  بنرجسيتهم وبحبهم للتسلط...وتبرز من خلال الملحمة كلها عند النهاية حقيقة كبرى يجسمها ذلك الفدائي شيرديل الثاني الذي علمه الكهنة في معابد النار كيف يعانق الموت وهو يحلم بالوصول طاهرا إلى  " الدخنة" التي تعني باللغة الفارسية أبراج الصمت....و تلك الحقيقة تقول : " ثمة أحلام لا تتحقق ولكنها لا تصل إلى نهاية الخدمة"، لأن من اعتنقها يظل "على قيد الرصاصة" القاتلة يسمع أزيزها وهي التي لم تصبه ويحسب على الدوام أنها لا تزال تلاحقه وتسائله على لسان زرادشت: " ألا يجوز لنا أن نكون من أولئك الذين يجددون هذا الوجود؟"....
واتركني أجازف تفاعلا معك واستجلاء للمعنى الحقيقي الذي أراك قصدته من خلال الملحمة التي كتبتها -وأنت تقتفي  عن جدارةخطوات غسان كنفاني.-..لأقول معك على لسان " أبو سعد" هذه المرة : نعم ، إنه يجوز للإنسان الصادق أن يحاول تجديد الوجود ... وذلك "بين أسطورة التضحية وحقيقة الحلم". وهذه الكلمات الأخيرة مأخوذة من إهدائك، عشت رفيقي..

بقلم : المفكر : محمد صالح التومي / تونس

الثلاثاء، مايو 23، 2017

النكبة فعل مأساة مورست ضدي شخصياً

ابن الحرب مروان عبد العال لـ الحدث: 


2017-05-23

حاورته/ نداء عوينه

مروان عبد العال الحائز على جائزة القدس للثقافة والإبداع يتحدث من بيروت عن اللجوء والهوية والثقافة وصناعة الوعي

هو كاتب وروائي وفنان تشكيلي فلسطينيّ لاجئ، ولد في مخيم نهر البارد شمال لبنان عام 1957، له مسيرة فيها يندمج الأدب والفن والنضال السياسي والعمل الفكريّ والثقافي معاً، مسيرة زاخرة بالعطاء والعمل والحب.

فمن هو مروان عبد العال الذي لا نعرفه؟ من هو بعيداً عن الكتب والمنابر والنضال؟

"أنا الطفل الذي يدهشه الجمال في هذا العالم، المخيم ذاكرتي الأولى والوطن خيالي المسافر.. كنت اكتب على الهواء ولم اصدق ان ما كتبته كبر معي وسافر الى الناس وسبقني إلى وطني. أنا ابن الحرب كنا نفضل بالمخيم لعبة "وقعت الحرب "ونحن صغار، وعندما كبرنا أدركنا أننا نحن لعبة الحرب. فأنا ابن الحرب الذي لا يهدأ في البحث عن الوطن وليس اي وطن، عن وطن بلا نقصان وطني الكامل، عن حلم جيل وعن قيم الإنسان وكرامة وحق بل عن اكتمال الفن في هذه الحياة."

 

كثيراً ما يخال الفلسطيني المقيم في الوطن أن اللاجئ بطل خارق، أو فقير معثّر فحسب، لكن مروان عبد العال في أعماله الأدبية يتحدث عن المنفى كمنفى، أو كمنافي متعددة، فالهروب من البحر يلحقه الضياع في رواية زهرة الطين، ثم فقدان جزئي للذاكرة ومحاولات لاستعادتها ثم نفي آخر إلى مخيم للمبعدين الفلسطينيين؛ وهذه رمزية عالية للضياع الفلسطيني، لمحاولة البقاء على قيد الحياة وعلى قيد التاريخ والذاكرة، إذ أن بطل الرواية تتعدد منافيه بتعدد المنافي الفلسطينية في كل مكان وزمان، فالمنفى هو المنفى الذي لن ينتهي إلا بعودة المنفيين إلى موئلهم الأول، إلى وطنهم فلسطين، الذي لن يتمّ دون اشتباك تاريخي وثقافي يحفظ الذات والحلم والوجود.

 

"كأني أعيش هنا بعيداً عنها ولكن معها، عن الصباح الذي يستيقظ عابساً ويراها تخرج من الغرفة وتسافر بين رملنا الأصفر وغبار المدينة الرمادية".. فأقول لها إني حصان يصهل في منفى بعيد وهي هديل حمام يهرب من السماء الرمادية لمدينة ميلانو" – زهرة الطين

 

مروان عبد العال أيضاً فنان تشكيلي له عدة معارض، ولا ينفكّ عن كونه سياسياً مناضلاً ومنظراً من أجل النضال، لا يتوقف عمله بل يستمر ويتفرّع ويتزايد؛ وهكذا يقول مروان عبد العال: "حلمي هو الاستمرار فيالاشتباك التاريخي الشامل في معرة الحياة وحفظ الذات والوجود والحلم وبوسائل ابداعية مثل الكتابة؛ ومن مشاريعي أن استعيد حصتي من الوقت كي أعود الى الرسم. أما حلمي القريب جداً فأنا بصدد نشر رواية جديدة وهي روايتي الثامنة في مشروعي الروائي، أتمنى أن تصل رسالتها وأن اكون قد أوفيت الامانة لبطلها وهي تجسد ملحمة شخصية تؤرخ المنفى بتفاصيل سريالية وواقعية أسمها: الزعتر الأخير."

 

فإن كان التاريخ واجب حفظه، وإن كان الأدب والفن وسيلتان لذلك، والثقافة الجسر الذي يربط أبناء الوطن في بلدهم ومنافيهم باكتمالهم وتكاملهم سوياً ككلّ فلسطيني؛ يرى مروان عبد العال أنه من المفترض أن تكون الثقافة هي جسر المنفى نحو الوطن، وهي تكتمل عندما تكون بالوطن وتفكر بالمنفى او تكون بالمنفى وتكتب الوطن، والشباب الفلسطيني في لبنان مستهدف بوجوده أولاً، ويتعرض لتشويه هويته الوطنية ثانياً وهذا ليس شيء عبثي، ولذلك هو مهمش اقتصادياً واجتماعياً وثقافيا بسبب  هذا الاقصاء والعزل، وبفعل "الغيتو" الذي يعيشه الشباب في لبنان، هناك الكثير من المبدعين، لكن غياب المؤسسات الثقافية التي ترعى المواهب هي ما يجعل هذه الابداعات الفردية تتلاشى احيانا واحيانا تنمو على الهامش .او بفعل التحدي وقوة الارادة، ومعاندة السياسة السائدة والممارسة، لإثبات جدارته بالحياة الكريمة، واعتزازاً بهويته الوطنية وحفظ وجه فلسطين  الجميل الذي يليق بها، النقيض للممارسات الخاطئة وثقافة الكراهية."
 

لكن التاريخ والثقافة ليسا واحداً، فيقول مروان عبد العال: "الثقافة جزء من التاريخ، غير أنه الجزء الذي يحفظ ويستمر ويبقى خالداً ويصبح مادة صلبة او ثروة تبحث عمن يستثمرها ويبني المستقبل، لكن الثقافة الجديرة بالتاريخ هي التي تصنعه، وحتى تكون تستحق التاريخ وتكون فيه وليس خارجه ان لم تكن ثقافة تمتلك روح الارادة، وعمادها المقاومة والفعل الإرادي كنزعة إنسانية. والثقافة تصنع الهوية أيضا، لأنها رحلة طويلة تجيب سؤال من نحن. لأن هويتنا الثقافية في صيرورة دائمة، تخاطب الآخر وتخاطب الجيل الجديد."

ويتابع: الثقافة تعني صناعة الوعي. من يبني وجودنا وهويتنا بل هي مصدر انتاج الفكر، الذي هو العيار الثقيل للسياسة، والسياسة تتحول الى فعل ناقص بدون الفكرة، وهي مكون رئيسي للقوة التي تعزز الانتماء والهوية الوطنية والسياسية. ونحن في قلب الصراع وامام مواجه حقيقية لاحتلال ارادتنا وعقولنا وذاكرتنا وروايتنا، ولكن ومثلما يقول فيكتور هيغو: أعتى الجيوش لا تقوى على هزيمة فكرة آن أوانها..... لا يوجد سلاح أكبر من سلاح الوعي. كيلا نضيع البوصلة، دور الثقافة هو بناء هذه الرؤية لا تصنعها إلاّ القوّة العقليّة والقوّة الفكريّة والقوّة الثقافيّة، ليس هناك حركة يكون لها القدرة على الفعل دون أن يكون لها عقل قادر على تحريكها، بالضبط مثل العلاقة بين الرّوح والجسد، فالمجتمعات هي الجسد والثّقافة هي الرّوح في هذا الجسد.. هناك علاقة جدليّة قويّة بميزان الربح والخسارة، لأن خسارة المعركة تبدأ من اللّحظة التي يُصادر فيها السّياسي دور ومكانة الفعل الإبداعي ويحوّله إلى ملحق أو ذنب للسّلطة. أعتقد أن المبدع الشامل هو الذي يجيد استخدام كلّ الأسلحة.. المباشرة وغير المباشرة، المرئيّة وغير المرئيّة.

 

وعن هذا هناك شواهد في روايات عبد العال، نذكرها منها مثلاً:

 

الوطن يدنو منا كلما اقتربنا من أنفسنا وتصالحنا مع ذواتنا.. فكيف يبقى وطن إن كان هناك سوء تفاهم مقيت مع الذات ومن حولها؟!– إيفان الفلسطيني
دائماً هناك متسع للجوء وإلى مخيم جديد، تشرّد جديد ولنكبة جديدة، ولمن يصفق خلفك بوجهٍ ساخر: لاجئ لاجئلاجئ– إيفان الفلسطيني
الوطن حيث تكون فضيلة الحياة– إيفان الفلسطيني
 

وكان مروان عبد العال قد تسلّم جائزة القدس للثقافة والإبداع الأسبوع الماضي تزامناً مع إحياء ذكرى النكبة وزيارة اللجنة الوطنية للقدس عاصمة دائمة للثقافة العربية للعاصمة اللبنانية بيروت، فقال: "أن تكون القدس عاصمة دائمة للثقافة العربية فهو انجاز مهم ومعنوي يحفظ مكانتها في المشهد الثقافي والحدث الثقافي بل في حفظ مكانتها في نطاق الاستراتيجية الثقافية، وهذا يسهم  في حماية هويتها ومقاومة سرقة التاريخ وطمسه وتزويره وعبرنته، وعندما تكون القدس اصل الصراع ومحوره تصبح معركة الوعي الذي تقودها الثقافة اولا من روح فلسطين لتعبر عن انتماء لا ينفك يبتعد ويغترب.

 

ومن ثم من مساحتها الابعد، اينما وجد كل مثقف لا يبرر ثقافته دون عاصمة السماء والروح والوطن.. النقص هو ان هذا كله لا يكفي؟ هل حقاً هي محور للصراع؟؟اين مكانتها في استراتيجية الصراع؟ هل نمتلك استراتيجية ثقافية وطنية بمكانتها ومساحتها! الاجابة تحتاج لتخصيص وقت وزمن وشحذ همم وادوات وعقول وهنا يمكن البناء...دور كبير ملقى على عاتق هيئات القدس المقيمة فيها اولا كما المؤازرة لها، وفي مقدمتها المؤتمر الشعبي واللجنة الوطنية وغيرها..

 

جائزة القدس للثقافة والإبداع لعام 2016 تم إعلان الفائزين بها في تشرين الثاني الماضي، حيث استحقها مروان عبد العال وأحمد قعبور وأنيسة درويش، واستحق الجائزة التقديرية خليل حسون ورشدي الماضي وعبد الفتاح القلقيلي وشفيق حبيب، كما استحدثت جائزة عثمان أبو غربية للإبداع المقاوم واستحقها الأديب الدكتور المتوكل طه. 

 

وفي حفل التسليم قال مروان عبد العال: "النكبة ضدي شخصياً، منذ أن وقعت عام ١٩٤٨م وهي يوم بشع، ولكنها اليوم تمتزج بلحظة جميلة، لعلها دعوة كي نقاتل البشاعة ولكن بسلاح الجمال.

 

إن منحي لجائزة القدس هي اضاءة على وجه المخيم الجميل والحقيقي، ضد التشويه والمزيف والقبيح... لذلك هي وسام على صدر المخيم، وصدر الفلسطيني البسيط والفقير والطيب والمقاتل والصابر والعائد الى حيفا.. المخيم الذي أنجب ناجي وبطله حنظلة وغسان كنفاني وابطال رواياته، الذين نعرفهم..

 

جائزة القدس للثقافة والإبداع هي جائزة الابداع ولأن الفلسطيني في كل مناسبة له حصة من الابداع، اليوم وبهذه اللحظة هو المبدع الاكبر، من يستحق المجد هم الاسرى الابطال في سجون النازية الصهيونية، هؤلاء صورة فلسطين الحقيقية، فلسطين الكاملة وليست الناقصة، فلسطين المكتوبة في ذاكرتنا وضمائرنا واحلامنا ومرسومة في تجاويف قلبنا، انها تشبه جوع الاسرى للحرية، كل بطل من الاسرى هو الذي يستحق أثمن وأغلىدرع، لأنه عنوان الحرية والبطولة..

 

أشكركم واتمنى ان اكون بحجم هذا الحس العميق والجميل والكلمات الكبيرة التي اغدقتموها علي واتمنى ان استحقها، مع درع القدس الذي هو امانة غالية وثقيلة على اكتافنا ومن الاخ اللواء بلال النتشة رئيس المؤتمر الوطني الشعبي للقدس ومعه حضرت روح الصديق الشهيد اللواء عثمان ابو غربية رحمه الله. وتحية لكل الاصدقاء العاملين معه والشكر لوزير الثقافة الفلسطيني المثقف الحاضر من الحقل الثقافي وعلى ما قال شاعرنا محمود درويش: "ما أكبر الفكرة ما أصغر الدولة"، حيث نعتبر حدود فلسطين اين تصل حدود مثقفيها واحلام مناضليها.. الذي يؤمن ونحن معه بالرؤية الثقافية والمؤسسة الثقافية التي تجتمع فيها فلسطين الكاملة.

 

والشكر الى حضرة السفير الصديق أشرف دبور على كلماته الطيبة، ولكل فرد فيكم شاركنا اللحظة واقول لكم افتخر أنى معكم واني اناضل بينكم وأنتم الجائزة الاكبر، التي انالها حين تنتصر الرواية وينتصر ابطالها.. تعود فلسطين التي تستحق الحرية. كنت اكتب على الهواء ومن ثم اقوم بمحي ما كتبت.. لم أكن اعرف ان الكلمات ستسافر في المدى وتعبر القلوب والحدود..

 

ونرفق هنا نص "في النكبة تحترق أصابعي كي تكتبك" لمروان عبد العال:

 

يمتدّ فيك البعيد لأقترب أنا، وفي النكبة تحترق أصابعي كي تكتبك. أحسد صوتي العائد بصوتك وهو يناديني: عد إلى همسك الأسطوريّ، عد إلى آهات تاريخك، إلى قمر يقطر من نهد الليل كي يرضعك. لتكللني بالصّلاة وتحرقني بالياسمين، في بحر من الرّغبة.
عد إليّ ولتقل الريح ما تشاء.

أنت يا فلسطين دمعة، تمتدّ فيك نكبتي. بل أنت طعنة تلد توأمين.

أنت وشقائي. طعنة أني لم أولد قبل النّكبة، كي أنتشي بمعنى البقاء، الذي لم يكتشف يومًا نفسه في قاموس الفراق، وطعنة أنّي ولدت بعدها، على فراق ما عرف يومًا معنى اللقاء.

أولد تحت صقيع بعيد كي أكون أنتِ، نصف رئة تتنفس هوائك، وتنتشي بأريج البراري في خوابي القرى المهجورة، حزينة لغيابي أسمع نحيبها وهي تنصت إلى وقع خطاي تدبّ في تلالها وهمس قديم يداعب أعشابها. حيث كان والدي يلعب طفلاً هناك، وروح سلالتي التي انجبتني كفرح مليئًا بشموخ الرّوح والتي تغرّد حولك، تتسلّل خيوطاً من نور خلف ستائر نافذتك، أنتظر بصيصها كلّ صباح، حتى أدخل معها إليك، متدثرًا في شعاع الشمس، حينما ترمي ببعض عطشها المسافر على وسادتك.

هل رأيت شكل الشمس وهي تذوب من العطش؟

حدث يوماُ، منذ قدر من النّكبة، يوم واقعة الاقتلاع التي ما صدّقنا أنّها ستدوم ستون عاماً وعام..

لم نعد نرى الشمس وهي تلتحم بينبوعها في أفق بحريّ يداعب عيون عكّا. ورمل ساخن يقطر دمعاً على أسوارها.

هي أنا يا أنت. شامخة منذ النكبة على مفارق الصّبر وترهن المساء لكأسها الباردة، تتكئ على أعمدة الدخان الصّاعدة من رئتيّ حتّى التعبد.

هل وصلتك أخباري؟ ما أحدثه سكّين النّكبة في جسدي، تمزقني على موائد الدّول الرحيمة واللئيمة وتحولني لقطع من دم ولحم، وتبقين أنت وحدك حلمي.

هل رأيت ما فعلته قساوة الغياب في وجهي؟

الهزيمة العالقة كندبة على جبيني، دمغة النكبة التي تطارد وجنتاي كي لا تبتسم، حتى لا يعود وجهي يشبهها. ولكنّي مازلت على الوعد أزحف على رؤوس العواصم ولا تقطفني شوارعها، حتى أمحو أثر النّهار عن تضاريس جسدك وأغسل أقدامك عند كل حدود ومطار وحاجز وجدار ومركز تموين وهيئة إغاثة.
 

وعدك القدسيّ أن نلتقي في مركزنا الروحي يوماً، حيث تدورالأرض وتنطق بسلامها وتستعيد شجرة "السدرة" هيبتها وتزغرد وريقات الحنون، تبوح بسرها في قطعة سقطت من فردوس السّماء كي تستقر في الجليل، وحتى تلك اللحظة ستبقى مخيماتنا متكئة على كتف الذاكرة والحلم.. كلّما تمرّ سحابة تطلق أغاني الجفرا والدلعونا وظريف الطول.

ستحمل إليك مطراً من أحلامي وإن سقط على ثيابك لعاب السّماء أكون قد بللت الجفاف وغسلت أغبرة الشّوارع.

فرس جدّي الأبيض ينام خاشعًا هناك، قرب طاحونة البلدة، يستريح من تعب اللجوء عند حافّة الليل. وحكاياته تدغدغ الغفوات وتضرب عري الجرن مدقّّة، لتحيل عظامي مرهماً وتدهن وجه القمر. قمر فلسطين الذي يتمرّغ برملي السّاخن يغسل وجه الليل ويسرق من غابات روحها سرها الكرملي.

يعلن النهر هيجانه الوحشي ويستفيق على وقع شهوته الخضراء، وكلّما سقطت من جسدي قطعة ستولد لك زهرة تفيح بأريج البرتقال وذراع النّجم إن التوى سيكون صدرها حتى الرّكوع يفيض بطعم يحتوي مرارة السؤال!

سؤال متى نعود إلى فلسطين ؟ وهي تصرخ من أعماقها كي ندعها تعود هي إلينا وفينا، تتجدّد داخلنا ذاكرة وحلم وقضيّة. تذكّرنا كلّ يوم أن الجهل والتخّلف والتّعصب أيضًا نكبة وأنّ الخنوع نكبة وأن الذلّ والنسيان والانقسام والتمزق أيضًا نكبة.
 

تدعونا كي نستحقها حتّى تستحقنا. أن نكون عشّاقها حتّى الدّم، يهون أمام جلالها أي هوى ونزوة ومصلحة ومنصب ومنفعة.
 

هنا وهناك، هكذا هم أبناؤك، أولاد التراب وحفيف الأوراق، ننشد حضنك هروباً من ريح باردة. تعصف بإحساسنا على مدار النّكبة. تزفّك على وهج الغياب نحو حضن يقيّدنا إلى الأبد.

 

حرارة الأنفاس تمسّني كتيار من عشق يدخل الأوردة يبحث عن مجراه، يفيض بماء الحياة . كي يقاوم الموت الفاغر الفاه على أبواب مدارس غزة.

أنتِ فلسطين، أمّي التي أنجبتني من عهد الحكايات القديمة، ترقص على طرف شفرة،وتبحر بالسكين.
أنت حبيبتي الكنعانية تمارس السّحجة في ضوء الشّهب وتفتح صدري لبيادرالقمح، وتصنع من زفة العرس أرغفة. تجوب المخيمات، بشتى الأنواع ومن الطراز القديم والحديث والمعدّل والمحسّن ولكنّها حافية في الشوارع، تنهشها أنياب البؤس وهي تحمل شالها الفلسطينيّ درعاً من الذكرى التي تأبى النسيان.

http://www.alhadath.ps/article/58443/%D8%A7%D8%A8%D9%86-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%B1%D8%A8-%D9%85%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%86-%D8%B9%D8%A8%D8%AF-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84-%D9%84%D9%80-%D8%A7%D9%84%D8%AD%D8%AF%D8%AB%D8%A7%D9%84%D9%86%D9%83%D8%A8%D8%A9-%D9%81%D8%B9%D9%84-%D9%85%D8%A3%D8%B3%D8%A7%D8%A9

الخميس، مايو 18، 2017

بعد تسلّم جائزة القدس للثقافة والابداع

  
اضاءة على وجه المخيم والمبدع الاكبر من 
يستحق المجد هم الاسرى الابطال.
 ايها الاعزاء 
النكبة ضدي شخصياً، منذ أن وقعت عام ١٩٤٨م وهي يوم بشع، ولكنها اليوم تمتزج بلحظة جميلة، لعلها دعوة كي نقاتل البشاعة ولكن بسلاح الجمال. 
منحي لجائزة القدس هي اضاءة على وجه المخيم الجميل والحقيقي، ضد التشويه والمزيف والقبيح... 
لذلك هي وسام على صدر المخيم! و صدر الفلسطيني البسيط والفقير والطيب والمقاتل والصابر والعائد الى حيفا..
المخيم الذي انجب ناجي وبطله حنظلة وغسان كنفاني وابطال رواياته، الذين نعرفهم.. هي جائزة الابداع  ولأن الفلسطيني في كل مناسبة له حصة من الابداع، اليوم وبهذه  اللحظة  هو المبدع الاكبر، من يستحق المجد  هم الاسرى الابطال في سجون النازية الصهيونية ، هؤلاء صورة فلسطين الحقيقية ، فلسطين الكاملة وليست الناقصة ، فلسطين المكتوبة في ذاكرتنا وضمائرنا واحلامنها ومرسومة في تجاويف قلبنا ، انها تشبه جوع الاسرى  للحرية، كل بطل من الاسرى هو الذي يستحق أثمن واغلى درع ، لأنه عنوان الحرية والبطولة..
أشكركم واتمنى ان اكون بحجم هذا الحس العميق والجميل  والكلمات الكبيرة التي اغدقتموها عليي واتمنى ان استحقها ، مع درع القدس  الذي هو امانة غالية وثقيلة على اكتافنا ومن الاخ  اللواء بلال النتشة  رئيس المؤتمر الوطني الشعبي للقدس  ومعه حضرت روح الصديق الشهيد اللواء عثمان ابو غربية رحمه الله.  
وتحية لكل الاصدقاء العاملين معه والشكر لوزير الثقافة الفلسطيني د. ايهاب بسيسو المثقف الحاضر من الحقل الثقافي وعلى ما قال شاعرنا محمود درويش : "ما اكبر الفكرة ما اصغر الدولة" ، حيث نعتبر حدود فلسطين اين تصل حدود مثقفيها واحلام  مناضليها.. الذي يؤمن ونحن معه بالرؤية الثقافية والمؤسسة الثقافية التي تجتمع فيها فلسطين الكاملة. والشكر الى حضرة السفير الصديق اشرف دبور على كلماته الطيبة ، ولكل فرد فيكم شاركنا اللحظة واقول لكم افتخر اني معكم واني اناضل بينكم وانتم الجائزة الاكبر، التي انالها حين تنتصر الرواية وينتصر ابطالها..  تعود فلسطين التي تستحق الحرية. كنت اكتب على الهواء ومن ثم اقوم بمحي ما كتبت.. لم اكن اعرف ان الكلمات ستسافر في المدى وتعبر القلوب والحدود ..

السبت، أبريل 22، 2017

الادب والسياسة والثقافة وحوار مع مروان عبد العال


بقلم : صفاء بن  فرج 
تونس
مروان عبد العال، كاتب وروائي وفنان تشكيلي 
ومناضل سّياسي فلسطيني (مسؤول الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في لبنان)، جمــع بيــن الثّقافــة والفـــنّ والسّياســة وقــدّس المخيــم لمــا لــه من رمزيّة صقلت شخصيته وضربت جذوره في أرض فلسطين التي وُلدَت فيه يوم وُلِد في مخيم نهر البارد للاجئين الفلسطينين، بشمال لبنان عام 1957. وهوالابن الأول لعائلة لجأ أفرادها من قرية «الغابسية» شمال شرق مدينة عكّا الفلسطينية. صدرت له ستّ روايات، هـي: سفر أيّوب، وزهرة الطّين، وجفرا، وحاسّة هاربة، وايفان الفلسطيني، وشيرديل الثّاني، نشر العديد من النّصوص الأدبية والمقالات السياسية والفكرية وأقام عدة معارض تشكيلية.
نزل «مـروان عبدالعــال ضيفــا» على منتــدى الفارابي للدراسات والبدائل في لقاء بمناسبة ذكرى يوم الأرض ومرور مائــة عــام على المقاومــة التي ارتبطت بوعد بلفــور المشــؤوم. طرحنـــا عليـــه «3 أسئلة» فكانت إجاباته كالتالي:
 
- يقول فيكتور هيغو « أعتى الجيوش لا تقوى على هزيمة فكرة آن أوانها»، هل توجد، حسب تقديرك، في الساحة العربية فكرة آن أوانها؟ أم مازالت لم تولد بعد؟ -
أعتقد أن الفكرة موجودة ...إنها حيّة ولكن الفكرة ليست مناط بها أن تقوم بعمليّة التّغيير أو أن تكون هي الفعل المباشر الذي يجب أن يقاتل على الأرض.
الفكرة هي التي تصنع الوعي الذي يقاتل وهي التي تصنع الوعي الذي يصدّ الجيوش...هذا الوعي يمتلكه الإنسان وعندما يمتلك الإنسان وعيه يمتلك إرادته. لدينا دائما سؤال إرادة ودائما لدينا فكرة هل نحن أحرار بامتلاك فكرتنا وامتلاك عقولنا؟
نحن دائما نقول أنّ الخطر هو عندما تُحتلّ أرضنا ... هذا صحيح، لكن الخطر الأكبر يحدث عندما تُحتلّ إرادتنا ...عملية إحتلال الإرادة تحصل إذا وجدت أمامها فراغ ... والفراغ الرّئيسي أمامها هو الجهل والتّخلف، لذلك فإنّ الإنسان يحتاج إلى فكرة، يحتاج إلى وعي حتّى يستطيع أن يصدّ جيوش الاحتلال...
نحن نعتقد أنّ هذه الفكرة وهذا الوعي موجود في العالم العربي، موجود في الأمّة، موجود في عقول أبنائها..لكنّ المشكل يكمن في مسألة تمليكها واستخدامها في أخذ القرار وفي المؤسّسة واستخدامها الإنساني هو القادر على أن يغيّر مجتمعاتنا ويفعل فعله. 
 في ضو واقع عربي مليئ بالإخفاقات والصّراعات الحزبيّة والايديولوجيّة والطائفيّة وجدل عقيم يهيمن على السّاحة،وفي زمن كثُرت فيه القضايا وتشعّبت، كيف يُمكن للأديب والمفكّر والفنان التّشكيلي الفلسطيني وغير الفلسطيني أن يُساعد على المحافظة على اتجاه البوصلة نحو القضية المركزية، قضية فلسطين.؟
لا يوجد سلاح أكبر من سلاح الوعي. لكي لا نضيع البوصلة يجب أن تكون لدينا رؤية نرى من خلالها الطريق ...مساحته وتعرجاته وإلى أين ستصل هذه الطريق؟ هذه الرؤية لا تصنعها إلاّ القوّة العقليّة والقوّة الفكريّة والقوّة الثقافيّة التي تتوفّر عند المثقف والأديب والفنّان. هؤلاء هم الذين يصنعونها. ليس هناك حركة يكون لها القدرة على الفعل دون أن يكون لها عقل قادر على تحريكها، بالضبط مثل العلاقة بين الرّوح والجسد، فالمجتمعات هي الجسد والثّقافة هي الرّوح في هذا الجسد ..هناك علاقة جدليّة قويّة في هذا المجال، لذلك لا يمكن أن نضيع الطريق أو نغيّر اتّجاه البوصلة إذا كنّا نمتلك الوعي بواقعنا ونظرة ثاقبة نقدية نستشرف من خلالها المستقبل وهذا دور المثقف بجميع اختصاصاته.
 - كيف أمكنك التوفيق بين انتمائك السّياسي وانتمائك إلى عالم الأدباء والفنّانين، وأنت القائل في إحدى حواراتك : «خسارة المعركة تبدأ من اللّحظة التي يُصادر فيها السّياسي دور ومكانة الفعل الإبداعي ويحوّله إلى ملحق أو ذنب للسّلطة»؟
أعتقد أن المقاتل الشّامل يجب أن يستخدم كلّ الأسلحة .. المباشرة وغير المباشرة، المرئيّة و غير المرئيّة. لكن هناك سلاح أعتبره السّلاح الثّقيل يجب أن تكون له الأولويّة. هذا السّلاح هو السّلاح الثّقافي، أمّا البقيّة فهي أسلحة خفيفة . إنّي أعتبر أنّ الرّكيزة الأساسية تكمن في امتلاك هذا السّلاح الثّقيل، هذا الفكري، هذا العميق، البقيّة هي تفاصيل. على سبيل المثال أعتبر أنّ التّراجع عن الأحلام هي مسألة ثقيلة (حلم التحرّر، حلم العودة إلى الأرض...) هذه مسألة استراتيجيّة يجب أن تشتغل عليها الثّقافة. أمّا التّراجع التّكتيكي والمساومة والألعاب السّياسية فهذا ميدانه السّياسة ونحن مطالبون بأن نكون فيها.
 الخطأ الكبير أن تصبح الرّكيزة الأساسية المتمثلة في الثّقافة والحلم ملحقا وتابعا لمن هو ثانوي.. يجب أن يكون الأساس هو الذي يمثّل هذه الاستراتيجيّة الكبرى والنّبيلة التي سمّيتها «الحلم» والآخر هو الملحق، في الحالة العكسيّة يكون الهرم قد قُلب وتمّ ايقافه على رأسه وليس على قاعدته، فنحن ندعو لأن يتشكّل هذا الهرم وفق المنطق الأكثر ثباتا والأكثر ضمانا وهذا يضمن عدم تشويه السّياسي خاصّة والسّاحة السّياسية أصابتها تشوّهات عديدة في شكل من أشكال البشاعة وهذا يتطلّب قيما جماليّة وعميقة وهي قيم لا تصنعها إلاّ أدوات جميلة وعميقة ونعني هنا الثّقافة والأدب والفنّ.
 
تونس..

"شنغاهاي" بين جنّة وأخرى





مروان عبد العال

 2017 /4/ 19


 "الاشتراكية لا تعني الفقر" هكذا بدأ مسؤول كبير في مدينة "شانغهاي" استقباله لوفدٍ رفيع المستوى من قادة الاحزاب اليسارية  من 21 حزبا من 9 دول عربية  ، وحين  اراد ان يوضح  روح البناء كان يرمز لها بفكرة الهندسة ، بعبارةٍ  لا تخلو من روح الدعابة بقوله  " الهندسة تحل المعضلات بينما المحاماة  تفتش عنها فقط". وذلك في مقاربة بين اداء السياسة الامريكية  والاداء الصيني وان الصين تستثمر  بالعلم الحديث  في بعثات دراسة الى كل جامعات العالم الغربي وفي مقاربة ربما لم يقصدها بالضبط لتعبير فلاديمير  لينين " الأمّيون لا يصنعون الكهرباء". 

صدمة النظرة الاولى  في سحر مدينة ترغمك  بإغرائها الى التعرف على خصوصتها ومكوناتها . سر مدينة  خرافية تغار من "هونغ كونغ " التي سرقت بريقها يوماً، فتستعيد بعضها لتنافس مدينة "نيويورك" بناطحات السحب، حيث يوجد فيها أكثر من 4500 ناطحة سحاب شاهقة ، يبلغ ارتفاع أعلاها 488 متراً. والدهشة عندما تعلم انها في الاصل كانت مدينة صيد صغيرة . وحتى القرن الثامن عشر، لم يكن لها شأنٌ يُذكر في تاريخ البلاد ، وفي عام 1842، وبعد "إتفاقية نانكين"، بدأت المدينة عهداً جديد.

خصوصيتها التاريخية  ان " شانغهاي" كانت منطقة امتيازات بريطانية. ونالت كل من فرنسا والولايات المتحدة على امتيازات مماثلة في المدينة. الامر يعود الى المناخ  المناسب  لأستثمار المال و البنوك والشركات التجارة العالمية لأنها كانت تقع تحت الإدارة الغربية اصلاً. عبر عنها باحث من معهد الكوادر في بكين بوصفه للاشتراكية ذات الخصائص الصينية انها دولة بناظمين اشتراكي ورأسمالي

 مزيج بين اتجاهين، ولوحة تتماوج الحياة  فيها بثنائية متعاكسة في ناحية ومتعايشة ومتجاورة في اخرى ، من  شكل الملكية الجماعية في مزراع مقاطعة جنوبية وتنبض بالروح الجماعية الاشتراكية وتجد تلك الابتسامة المتدفقة في الروح الريفية من قلب الحياة البسيطة هناك ويفسرها لي احدهم بقوله "اننا هنا نعمل سوياً لتكون بلادنا جميلة  فتصبح حياتنا أجمل ". 

هناك تصعد درجات نحو قمة الجبل لتشاهد الجنة في الاسفل  وتنظرها بالعين المجردة لأنها على الارض  وليس تلك الموعودة بالسماء ممن لوثوا زرقتها وقدسيتها، هنا جنة اخرى في حلقات الرقص وسدود مياه جبارة وبيوت نموذجية وحقول شجيرات الشاي الفاخر. وجوه ناصعة ، نظرات خجولة واصوات أليفه تعزف كخرير الماء المنساب بين شقوق صخر جبالها

وهنا في "شنغاهايستظل تبحث عنها في شموخ الابنية والاسواق العملاقة وتبحث عن الجنة في السماء حيث تتعلق العيون في الاعلى ، وهنا للرأسمالية اعمدتها وهياكلها وابنيتها وقيمها ومفرداتها سوقها وآلياتها. هناك عالم  اسطوري اعتقدنا انه بالخيال وهنا تنين يزحف كالعواصم الكبرى  دائما تذكرك انك مجرد عابر فيها حتى او كنت ساكنها ، فكيف ان كنت زائراً  ليومين في مدينة مزدحمة يتجاوز سكانها 25 مليون نسمه، رغم أن مساحتها لا تتجاوز 6340 كيلومترا مربعا، وانك في أكبر مركز اقتصادي وفيها أكبر ميناء في بر الصين الرئيسي وتحتل المراكز المتقدمة من حيث قيمة الإنتاج الصناعي والزراعي وقيمة الصادرات وقدرة الشحن والتفريغ في ميناءها.

خصوصيتها الجغرافية او ما يسمى بعبقرية المكان، انها تقع جنوب مصب نهر اليانغتسي، وهو احدى قنوات المياه الرئيسية في الصين، ويخترقها نهر هوانغبو آخر روافد نهر اليانغتسي. ويمتد ميناء شانغهاي على طول النهر

يقال " لا ميناء شانغهاي بدون نهر هوانغبو ولا شانغهاي الكبرى بدون ميناء شانغهاي" .. هي  مهد الصناعات الحديثة الصينية

بعد حرب الأفيون عام 1840، تدفقت الاستثمارات الأجنبية على "شانغهاي" التي سرعان ما أصبحت أكبر مركز مالي في الشرق الأقصى، وظهرت في الوقت نفسه صناعات الغزل والنسيج والماكينات والأغذية وغيرها، وأصبحت مركزاً تجاريا أيضا. فهي أكبر قاعدة صناعية في جمهورية الصين الشعبية. مفتاح الجنة  يكون بيد من يمتلك الارادة ،  تلك التي وصفها الرفيق ماو تسي تونغ بقوله :" ينبغي ان نزيل من صفوفنا كل  تفكير قوامه الضعف والعجز ان  كل  رأي يبالغ  في  قوة  العـدو  ويستصغر  قوة  الشعب هو راي  خاطىء "... 

لكن لا ادري ما سيقوله  لي الرصيف المزدحم بالمارة  في اليوم الاخير لعابرٍ في لحظة الوداع!؟

AddThis

Bookmark and Share