السبت، يناير 20، 2018

صاحبي .. بالفلسطيني المشبرح



في أمسية بيروتية وبإستضافة (دار الندوة) كان حظي وافراً بمن كرمهم المنتدى القومي العربي وبمناسبة مئوية الخالد جمال عبد الناصر ، ومن بينهم كل من الصديق الحبيب ابو عماد رامز  ورفيق الدرب أبو جابر .. لكل منهم الكثير  من القلب وتشرفت بإلقاء شهادة تكريم للعزيز  ابو جابر ..
لأنه صديق بالقلب أبداً و باليد دائماً:

يا صاحبي ، بدون مقدمات وكما يحبها بالفلسطيني والعربي المشبرح .. فهو ليس صديقاً افتراضياً تم التعارف عليه إلكترونياً وتمت اضافته على وسائل التواصل الاجتماعي. رفيق البدايات الجميلة وزمن الرفاق الذين احببناهم سوياً والشهداء الذين تشاركنا في تلصيق صورهم على حيطان المخيم ، معاً من البدء من حارة الدامون في نهر البارد بكل مواسمه وصراعه من أجل البقاء وحفظ امانة العودة الى الدامون.

انه صاحبي سمير لوباني ، وقبل ان يتزوج وينجب ابنه المهندس العزيز سامر .. عرفته طالباً بلقبه الشهير "ابو جابر " مع شلة المدرسة وانتخابات الطلبة فكنت واحداً من حلقاته الطلابية .. وحواريه !

ثم تقدم علينا مناضلاً ومحرضاً سياسياً في الازقة لا يسلم من لسانه أحد وحارساً ببندقيته على شاطئ البحر، ومؤسساً للعمل الاجتماعي الطبي في مخيمات الشمال ، ثم انتقاله للدراسة في معهد سبلين للتدريب المهني، ثم الى مصر وبعدها بلغاريا والتحاقه في الادارة العسكرية ثم محاصراً مفقوداً في مدينة صيدا خلف خطوط العدو الصهيوني ...

عاش يوميات الغزو عام ١٩٨٢ ، الى دوره اللاحق في العمل بالتحصينات العسكرية والقسم اللوجستي للعمل المقاوم وذلك بعد ١٩٨٢، الى موقعه القيادي السياسي والجماهيري في الجبهة الشعبية في لبنان ، وليخرج مع اخر دفعة من مخيم نهر البارد يوم تعرض للتدمير  على يد عصابات الارهاب الاسود .. ويخوض معنا مهمة اعماره كتفاً على كتف ..ولا زال على الطريق ..

هو ابو جابر  الشخصية الشعبية المحبوبة والحاضر في الامثال الشعبية التي تتلاحق وراء بعضها وفي فن اختراع الابتسامة مهما كان الموقف سلبياً ممازحاً ومداعباً كل من يصادفه في الشارع كأنه يقاوم القرف بالنكتة وبدون برتوكول و يتجاوز الروتين بالعفوية المحببة بدون رسميات..

قلبه الذي يفيض بشعبيته و بسهولة تعابيره ولكنته الفلسطينية الجليلية الدامونية، بجرأته التي لا تعرف الحد الادنى من الدبلوماسية ( ما عندو لحية مشطة) وان كتم غضبه بإتقان فأعرف انه سينفجر  كالسيل إذا باح! ويقذف عشوائياً بكل العيارات و العبارات، لكنه لا يخلو من التسامح، في هدنة مؤقتة، يقبللك فيها بكل أخطائك ، فتقبله أنت بكل سلبياته.

قيل فيما مضى : «أمسك الصديق الحقيقي بكلتا يديك»
رفيق الطريق واللصيق جزء من فرح الحياة ومرارة الايام الشخص المطابق لهذه المواصفات لابد أن يكون باعتزاز صديقاً حقيقياً.

من يزرع الطرقات بنضاله مع اهل المخيم يقتسم معهم ما تبقى من رغيف الخبز والاحلام مقاوماً من اجل الحق  ودرب العودة الى فلسطين .. لأنه "رفيق بالقلب و بالارض والمخيم وبالخندق والحقيقة بذلك يكون رفيقاً باليد دائماً وابداً يغنيك عن عشرات من هم فوق او على شجرة الوهم و الضياع والافتراض والاستذة والتعفف!

أقدم لك ألف تحية... لجمال حضورك، لكل التفاصيل التي لا يعرفها احد غيرنا.
في مئوية الخالد الحي "ابو خالد" جمال عبد الناصر الذي لا تموت ذكراه ... لأنك تستحق ... فشكراً من الأعماق وكل التقدير لمن قام  بالتكريم..ولكم.

الاثنين، يناير 01، 2018

عبد العال يعاين الذاكرة في زعتره الأخير


خاص- ثقافات

  • جهاد الرنتيسي

يعيد الروائي مروان عبدالعال في روايته “الزعتر الاخير” معاينة الذاكرة ليكشف عن أوجه وخصائص غائبة يصعب العثور عليها بعيدا “خزين الغرابة” في مواطن الشتات الفلسطيني حيث يبقى الإنسان معلقا في عوالم أقرب إلى الهلامية تجمع بين الفراغ والأفق موصد الأبواب.

من خلال بطله المصاب بـ “الإفراط في التذكر” المعروف بمتلازمة “هايبرتميسيا” والأحداث التي يمر بها قبل وبعد نكبته الأولى يجد الروائي تأثيرات أعمق للذاكرة في شخصية الفرد وسلوكه.

تخرج الروايات عادة من ركام الذاكرة لكن رواية “الزعتر الاخير” تفاجئنا من خلال التجربة الحياتية لبطلها بأن ذاكرة الإنسان مثل كل الأجسام الحية وغير الحية تتعرض للاهتزاز بفعل الرحيل واللجوء.

للذاكرة علاقة ما بالغربة في حياة اللاجئين حيث تشير رواية عبدالعال الاخيرة إلى أن صاحب الذاكرة لا يشعر بالغربة وحين يضيع الوطن من ذاكرة أصحابه يستحيل إيجاده خارجها.

 بين التقاطات الروائي في روايته التي تدور أحداثها بين وادي الحنداج ومخيمات لبنان أن الإنسان يقضي حياته مكافحا من أجل الحفاظ على ذاكرته، لكي يكون نفسه، ولأنه لا يستطيع العيش دون ذاكرة.

 وفي بعض أجزاء الرواية يشير الروائي إلى هشاشة الإنسان الفاقد للذاكرة، فهو ينحني مائلا إلى النسيان، ينكسر عند أول منعطف، ويرفع الراية البيضاء.

الذاكرة كائن حي وذكي في الوقت ذاته حسب ما توحي الرواية  فهي تتحدث بصمت كي تتعايش مع المناخات البوليسية التي يعيشها اللاجئ في أماكن لجوئه لا سيما إذا تصادف وجودها في المنطقة العربية.

تشير الاكتشافات التي عثر عليها الروائي في مناخات اللجوء الفلسطيني إلى أن الذاكرة الملكية الخاصة الوحيدة لصاحبها، تصلح لأن تكون وطنا، وقد يكون الحل الأبدي الاستقرار بين جدرانها.

من الأسباب التي تدفع اللاجئ للتمسك بذاكرته ومحاولة ترميمها باستمرار ما تمنحه من بهجة حيث تشير الرواية إلى أن الذاكرة المليئة باللحظات الثمينة تصنع السعادة لصاحبها.

يخرج الروائي في روايته من العمق الحميمي المتداول عن ذاكرة العشق بتوقفه عند جانب الوعورة في هذه الذاكرة .

تقود هذه الاكتشافات إلى ايحاءات تضمر في بعض الأحيان وتطل برأسها في أحيان أخرى لتصوغ معادلة دقيقة حول علاقة اللاجئ الفلسطيني بذاكرته التي تتعبه وتمنحه هويته في الوقت ذاته.

تجمع مناخات الاكتشافات بين سحرية المكان وكارثيته، شاعرية اللحظة وبؤسها، شخصية تنبت كالعشب البري وازمنة عقيمة لا تصلح لنمو الشخصيات العشبية، ومحاكاة الإنسان للطبيعة وكائناتها، وفي كل ذلك ما يكفي لتحول الحكاية إلى وطن، ويغري بفتح خزانات ذاكرة في مخيمات لبنان ،لم تزل بكرا رغم كل ما فاض منها، وكتب على هوامشها المراوحة بين الحدة والتوهج.

الجمعة، ديسمبر 22، 2017

بلاد الزعتر والحكايا الفلسطينية في مقاربات روائية

بقلم : ضحى عبد الرؤوف المل

يناور الروائي مروان عبدالعال عبثية الوجود في روايته «الزعتر الأخير» الصادرة عن دار الفارابي، خشية خمود النار التي يؤججها في فرط الاستذكار، وبدلالات معاندة الذبول. لتكتسي بلاد الزعتر والحكايا الفلسطينية مقاربات روائية استقوى بها واسترسل مع البذور التي تدفن، فتثمر متسائلا عن الحيوات عبر إيحاءات تل الزعتر التي عززها بصاحبه المتخيل، والخارج من الذاكرة التي لا تموت، تاركا للزعتر قوة الوجود الفلسطيني الذي لا يمكن أن يندثر، والشبيه بنبات الزعتر البري «ربما كنت تفضله أنه نبات طاهر لا يختار إلا مرتفعات الجبال والسفوح الصخرية، والأهم من ذلك أنه نبات عشبي ذو أضلاع قوية ومعمر وكثير التفريخ، جذوره قوية الامتداد في التربة وسريعة التفرع، يستحيل اقتلاعها»، ليوحي بالقوة والتحدي الوجودي قبل البدء بلسعة الذاكرة المبنية على رمزية هذه النبتة وتحدياتها في أن تمتد وتنتشر، «قال إن الغزاة لا يسمحون بقطف الزعتر البري في كل الأوقات، فاضطر إلى سرقة زعتره وكأنه حرر قسطا من النكهة».
تتمحور الرواية على الاستذكار الجيد والفعال، وإن بشكل مرضي، لأن خلود الذاكرة من خلود تل الزعتر الذي يعيد له الأمجاد، وإن بالنكهة المتحررة من الغزاة، ومن فكرة الانفلاش الفلسطيني والتمدد حتى الأثيري منه. فيستعرض التفاصيل والجزئيات كرسام يتقن ضبط إيقاع الألوان وفق فروقات نفسية كللها بالزعتر الأخير.
بنية متخيلة لواقع مرير وبمستويات الذاكرة الدقيقة والتمسك بما استقر فيها لتتشكل هوية الزعتر الأخير في قوة التمسك بالهوية الفلسطينية، والعمق الوطني الذي لا يمكن اقتلاعه حتى عبر النكهات الفلسطينية حول العالم والمتحرر من سلطة الغزاة. إذ يمثل وادي الحنداج المكان المؤسس لبلاد الزعتر، وكل ما يوحي لها من الماضي حتى الحاضر فالمستقبل. إذ يتحدى «مروان عبدالعال» عبر الذاكرة الاحتلال أو الغزاة، كما وصفهم بواقعية ذات سحر متخيل جذاب وبتناقضات الفنان التشكيلي المدرك لقوة البصيرة عند التقاطع الأخير في الرواية ومكانها المتوالد من ذاكرة الوادي والمراعي، والحكايا القديمة إلى بلاد الزعتر، فمخيم تل الزعتر بامتداد بنائي لسرد يمثل البيئة الفلسطينية في كل مكان وزمان، فهي كالنبتة الزعترية القوية الجذور، وأيضا بنكهاتها التي يمكن تذوقها في كل زمان، إذ لا يمكن أن تندثر الذاكرة مهما حاول الإنسان محوها، لأنها الكيان الذي لا يمت للجسد إلا بما ترجمته نقوش الزمن وبتقنيات تضافرت فيها الصور الانطباعية المعززة بجمالية حسية ترتبط بالمعاني التي استخدمها «مروان عبدالعال» وفق مفردات ساهمت في تعزيز الإيحاءات المتأتية من الواقع المألوف الذي يعيش فيه ابن فلسطين، في أبعاد هي المخيم أو الوطن، الذي لم يفارقه الفلسطيني بعاداته وتقاليده وذاكرته التي لا يخونها، والتي تفرط في الاستذكار والاستحضار والعودة للوعي عند الكشف عن الأمكنة التي غادرها الطفل الفلسطيني وشب أو كبر بعيدا عنها. إلا أنها ضمن المتخيل أو الذاكرة التي تعيد رسم كل شيء منذ الطفولة حتى الزعتر الأول والأخير.
عوالم فتحها من الذاكرة ودخلها روائيا بتعزيز الأسماء والإطلالة منها على الواقع، للتأكيد على المفهوم الموحي بالأوجاع، ومساراتها داخل النفس المعززة بالحلم، وبمكونات الوجود وعوالمه النابعة من التكوين الروائي والقتل المتعمد للكيان الفلسطيني الموجود في المخيمات. وأوجاع الشتات حيث يكبر الأحفاد، «هذا الإحساس البغيض الذي ينفخ في ذاتي روح الحرمان، بعيدا عن رؤية حفيدي يتكلم ويركض في مساحته الزقاقية»، وما بين المراعي في البراري حيث يكبر الزعتر ويمتد وبين زقاق المخيم وجع تتألم منه الذاكرة المريضة، رغم إصابتها بالمرض إذ تتسرب التفاصيل الواقعية من شقوق من قتل ولم يمت برمزية القتل الإنساني للفلسطيني الخارج من أرضه، بدون احتضار يصل إلى نهايات لا يريد لها أن تصيب الروح، كما أصابت الجسد الفلسطيني بمقتل يشبه مقتل العاشق يوم حصار التل والمرآة النفسية التي عكسها «مروان عبدالعال» للوقوف عند أكثر من مشهد مازال في الذاكرة الفلسطينية منذ شرارة الحرب الأولى والذهول الذي يشبه مرض الذاكرة الذي أصيب به، واستقر على صفحات الرواية بما يشبه اللوحات الانطباعية والسريالية وما إلى ذلك.
تصوير فني للماضي المعشش في ذاكرة الحكايا المستخرجة من الجد للحفيد، ومن الوطن إلى المخيمات ومن الكل إلى الجزء، لأنها ببساطة كل ما يستعصي على أن يختفي تحت بيوت الصفيح، أو كل ما يستعصي على الغياب، فالعودة متأصلة في الرواية الفلسطينية بغض النظر عن الوجود الروائي، أو حبكة الفن الموحي بالعودة إلى خلافات القبائل بسريالية انتقل إليها «بعد طوفان تيوس المدينة صرت أرعى الماعز البيزنطي بشكل مخيف، يأتي محمولا على شهوة الدم وشذوذ الذبح وقطع الرؤوس» لجعل الحياة صورة من ماض مجهول الواقع، راسخ في المعتقدات وبين الآثار وتحت الأرض وفوقها والعودة بالإنسان إلى مجاهل السلوك الانتقامي الذي يمارسه العدو أو الغزو، كما وصفه في بداية الرواية. ليبتعد حتى عن ذكر الأسماء التي يعتبرها غير موجودة أصلا، وإنما خرجت من حكاية مفزعة أو قصة ذاكرة تقول «إنهم قساة بما يكفي. لكنني عاندتها. لأنني اؤمن بأن كل ذاكرة لا تستطيع أن تحتوي النسيان، ولا تروض عدوها ولا تحسن الدفاع عن نفسها، هي ذاكرة لا تستحق الحياة»، وبذلك هو يؤرشف لذاكرة فلسطينية لا يمكن محوها لأنها بنكهة الزعتر الذي تتذوقه الأجيال إلى ما لانهاية.
مضمون واقعي غارق في ذاكرة فولاذية شمولية بتفاصيلها المؤثرة على النفس، وبانتفاضة ذاتية تخرج من حدود المادة إلى روحية القضية الفلسطينية وتمددها كنبتة الزعتر بدون العودة إلى الماضي، وإنما بأمنيات الانتصار على الماضي ليتم تفسير الحاضر تبعا لراع مع عنزاته وانتقالاته التفاعلية مع الحياة التي فرضت نفسها على الوجود الفلسطيني المتضمن المعارك والأوجاع والشتات والخسارة والربح بالاسترجاع تارة، وبالقفز نحو المستقبل تارة أخرى.
تنظيم الذاكرة والسخرية من محاولات محو الذاكرة الفلسطينية، وإن بشكل نفسي في الرواية، إلا أنها عميقة الجرح الداخلي حيث الاقتلاع من وادي الحنداج، وبتفصيل تصويري أو ملحمي في أبعاده الشبيهة بأسطورة التل والذاكرة الفائضة «أتذكر حينذاك نقاشات كبار القوم في المخيم أنه لم يعد في جبانة المخيم ما يكفي لنومتي الأخيرة. حتى الموت نفاه مروان عبدالعال كي لا تموت فلسطينه لا في الروح ولا في الجسد الذي سينام ويستقر في أرض العودة.

"الزعتر الأخير" لمروان عبد العال.. ذاكرة قوية لن تموت



بقلم: هيثم أبو الغزلان

يُصرّ الروائي مروان عبد العال، في روايته الجديدة "الزعتر الأخير"، الصادرة عن دار الفارابي، يُصرّ على إبقائنا أسرى للذاكرة مسكونين فيها، وأن تبقى هذه الذاكرة مسكونة فينا. فـ "معك يا زعتر تظل ذاكرتي يقظة ونضرة، تحملني كغيمة رطبة إلى تلك السهول المبللة بندى الصباح. كلما فتحت صفحة كتاب أشعر أنني على قيد الحياة. تنتصب قامتي الرشيقة فأسابق أسطره وأحرفه وكلماته، وتتكون خلايا الحكاية في ذاكرتي، هكذا أعيشها تنبض وتتنفس وتنمو وتكبر وتسافر، وكذلك شخصيتي تصير أكثر جمالاً وقوة. الكتاب بدل عن وطن ضائع، لذا أتمسك بسلاح الحكاية بكل ما في الجسد من تعب، وما في الذاكرة من تمرد، وما في القلب من نبض وحب خارج السيطرة".

يخرج الروائي مروان عبد العال في "الزعتر الأخير"، من الذاكرة المحطمة ليعيدنا إلى ذاكرتنا القوية، الماضية والحاضرة. فهو المُصاب بمرض "فرط الاستذكار". وإن مات يومًا "فلن تموت ذاكرتي معي".

إذن هي الذاكرة التي تتناثر في كل مكان، تستحوذ على المنفى بكل ما فيه، من حضور وغياب، تشتت ومخيم، أو حضور وغياب أو بقاء وتلاشي، في محطات مختلفة واستقرار على قلق، في البحر أو البر.. فيصبح "الزعتر" ناطقًا بلسان كل فلسطيني: "تتدفق ذاكرتي بين المرافق والمحطات والمطارات والمرافئ، وعبر المسافات والسنوات، ثم تتناثر في زمن شاسع تكاد تضيع تخومه، متجاوزًا الزمن الفيزيائي تعبر بي من عالم إلى عالم".

وفي نسغ جرح الوطن يصبح الحنين إليه واجبًا يوميًا، يصبح نوبات ليلية تحرق كل شيء.. "..فأبرم وجهي صوب الحدود البعيدة، بعض نجمات معلقة في السماء، لكن الحاجز الذي بيني وبين زعتر ما هو إلا جدار مقيت من العتمة".. وفي حوار داخلي بين التفاؤل والتشاؤم يعلو الصوت: ".. لا تكن متشائمًا يا زعتر، سأبقى أبحث عن العدالة في عالم ظالم". و"أريد أن تتوقف السلبية لكي أعيش حياة إيجابية كما كنت أريد دائمًا"..

فهذه الذاكرة المتوترة للفلسطيني قد أوصلته إلى "النقيض حيًنا، وإلى الشعور بالعزلة السوداء أحيانًا.. حيث كان الجرح عميقًا والخسارة مفزعة.. منذ افتقدت زمانك والمراعي الخصبة وبلاد زعتر وخيال أميرة".. ولهذا كانت هذه الذاكرة تلسعه حتى في "هافانا" البعيدة، عندما شرب كأسا من الشاي بنكهة الزعتر الجبلي، الذي اضطر أن يسرقه من عدوه ومن بلاده "وكأنه حرر قسطًا من النهكة".

فزعتر الذي يفزعه الشعور بالتلاشي، يشعر أنه "قتيل لكنني ما زلت على قيد الحياة"، لكنه في الوقت نفسه يتسرب خلسة "خلف العالم الذي أجهله وأن أُنتزع عنوة من الحياة القادمة التي أعيشها، لكن لن أعيشها وهذا هو ما يرعبني".

فهنا يصارع زعتر / الفلسطيني، الزمن كي يحافظ على الذاكرة حية، ويتحدث أنه سيكتب ملحمة الزعتر الأخير كي "أُلقي القبض على ذاكرتي قبل أن تتلاشى"... ليتذكر ويذكّرنا بحصار  مخيم "تل الزعتر".. "في يوم حصار التل، آه ثم آه يا زعتر، لا تعرف معنى الحصار.. لكن في التل كان الحصار مميت.."، فهو "حصارٌ لأنفاسك ونبضات قلبك".. فهم يريدون "إزالة المخيم من الوجود"!

"فرط الاستذكار" جعل هذه الرواية الممتدة من مسار "حنداج" في بقعة ساحرة من "الجليل" الذي "فيه مقادير كبيرة من الحجارة"، رحلة لذاكرة تُذكّره دائمًا أنه يستطيع أن يأخذ معه "من يريد النجاة، وأن يلقي بيده حجرًا في الوادي، فتتحول الحجارة إلى بشر جدد، يملكون أنفسهم وحلمهم وعقولهم حتى لا يكبر القطيع".

فالذاكرة الفولاذية القوية التي عادت إلى البلاد عبر زعتر، رَوَت وهي المُصابة بـ "فرط الاستذكار"، حكاية الفلسطيني والمخيم؛ بحثًا وتنقيبًا وتصويرًا دقيقًا حياة الفلسطيني وبحثه عن الحياة والوجود والعودة والتمسك بـ "الزعتر الأخير".

* كاتب فلسطيني- بيروت. - haithem31@yahoo.com


عن شبكة الانترنيت للاعلام العربي" أمين"

الأحد، نوفمبر 26، 2017

حكاية الرواية الأولى


أصالة المكان وروح الزمان وسرّ المعنى



حدث في قاعة للمناسبات الاجتماعية داخل المخيم، في حفل يشبه ميلاد الابن الأول، قبل عقد ونصف، عام 2002م أطلقت روايتي الأولى “سفر أيوب ” وسط حشد من الأصدقاء، شرعت في قراءة نفسي من على كرسي الاعتراف فكان البوح الأول: “اسمحوا لي أن اقرأ لكم نفسي، فأنا هنا كي أعترف، لا توجد مشقة أكبر وأعسر من تلمّس المحاولة الأولى والبداية الأولى والحكاية الأولى”.
كنت أقرأ هذه السطور بصوت خافت ومرتجف، يهتز ويضطرب ويتدفّق ثم يتصاعد ويتموج بلغة سردية تتداخل وتخفق فيه نبضات ممزوجة من الرهبة والفرحة.
عندما قلت “أعترف أنّ الكلام ليس لي، والحضور ليس لي، فالراوي الأول هو أصالة المكان وروح الزمان وسرّ المعنى”. يخلق الفلسطيني وتخلق روايته معه. أنجبني والدي مع الحكاية وملكة الكلام، أمي تروي قصص القرية بذاكرة حيّة ويقظة باستمرار عن فرس جدي البيضاء وقوة خالي غانم الأسطورية وطقوس شجرة السدرة، وموت شقيقتها عطشاً يوم النكبة، وأبي الذي يقتني مكتبة، يشتري الكتب القديمة من سوق الأحد ويقوم بتجليدها وتجديدها وتخطيط عناوينها من جديد، أكثرها روايات تاريخية، فضلاً عن موهبة الرسم التي يتقنها، وجدي أيوب صاحب صنعة محرّمة وممنوعة هي إصلاح وصناعة الأسلحة، تعلمها يوماً في مدينة عكا، وقضى شبابه في وعر القرية داخل خربة سرية يقوم بإصلاح أسلحة الثوار المعطوبة التي تم شراؤها بصفقات مشبوهة ثمنها حُلي النّساء، ومارسها مع صعود الثورة تحت ظلال المخيم.




اعترفت أنّ الذي بين دفّتي الكتاب هي أوراق من سفر حكايات يومية انسابت ببساطة على نفسي، سقطت على مسامعي، تواترت في ذهني مثل هبوب الأحلام. وأنّها أسرتني كحالة وربما تخطت نفسي. وعندما قلت “إنّي أكمل لكم الحكاية والرواية مستمرة “. لم أكن أدري أن هناك رواية ثانية. واليوم لم أصدّق أنّني أنجزت الرواية الثامنة ليتأكّد لي أنّ “سفر أيّوب” لم ينتهِ بعد.
الحكاية تعيش هنا والذكريات ذهب أصحابها ولم تزل هنا..! سفرنا يتواصل مع ابن المخيم، هذا الواقع المستحيل الذي يشبه الأسطورة. مع ابن اليوتوبيا وحلم الوطن البعيد الذي يأخذ شكل الأسطورة، ينتشر مع الشتات الذي يحمل حنيناً جسدياً وروحياً لا يهدأ، لذلك استمرت الرواية وتفرعت وتشابكت خيوطها ونسجت أسئلتها وألغازها وهاجرت لتصل الى ذات الرمز الغارق بالخيال والمستغرق في الأسطورة .
ما زالت “سفر أيوب” البداية التي بشرت بالنبأ العظيم الذي انتظرناه ومازلنا، ما زال يتعانق الحزن والقمر والوجد والأمل.هكذا كان ناسها، شخوصها وفصولها التي تتناسخ وتتماثل وتتزاوج وتختزل في ميثولوجيا واقعية. فلا الحياة فيها عادية ولا الموت كذلك، وكيف يصير الموت احتفالاً عظيماً كما أصحابه يصل حد الخرافة.
قبل عقد ونصف وفي مناسبة ولادة الرواية الأولى وصفت الموت الاستثنائيّ الذي يدفعني لتحدي الحياة حين قلت: “نحن لا نموت برصاصة، ما عدنا نختار موتنا كما حياتنا وإن قدّر لنا الاختيار نقصف بصاروخ أو عبوة طوعية، نحن، وأنا من شعب يمارس رقصة الموت في مشهدِ استشهادي بالكامل، فلا عيب أن تكون نثرياتنا مخيمات تُسحل بالكامل وأحياءً سكنية تسوّى بالأرض”.
علّمتني تجربة السرد أن أقاتل بالكتابة لأستعيد السّير والصّور ولترميم الذاكرة المهشمة والهوية المتعبة، وان أكتُب! ولا يمكن للمرء تجنّب الكتابة لمجرّد أنّ هناك معتوهين يسيئون التأويل. كما قال “أمبرتو إيكو”. لأنّ إهداء العمل الأوّل كان إلى الحالم الذي لا زال يسير على الرغم من كلّ شيء. فإنّ كلّ مشروعي الروائي لشعبي ولكم أنتم لأنكم بشارة العالم الى الحرّيــــــــّـــــــة.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
مروان عبد العال
* روائي فلسطيني مقيم في لبنان
صدر له: رواية “سفر أيوب” دار كنعان في دمشق، 2002، ونشر سبع روايات أخرى من خلال دار الفارابي في بيروت وهي: “زهرة الطين”، 2006؛ “حاسة هاربة” ، 2008؛ “جفرا … لغاية في نفسها”، 2010؛ ثم “إيفان الفلسطيني” و “شيرديل الثاني”، 2013 ورواية “60 مليون زهرة”، 2016 … وأخيرا “الزعتر الأخير” 2017.
الرواية نت – خاصّ

“فصل من رواية “الزعتر الأخيـر”*


اعترف لك أنني عشت كواعظٍ فطن يرتكب خمسة أغلاط حسابية جرّاء سقوط خنفساء. لا أزال مهووساً بالماضي منذ علمت أنني مصاب بمتلازمة الاستذكار، وأنا لا أصدق نفسي، من أين أتتني هذه القدرة الاستثنائيّة على التّذكّر، لا أعرف إن كانت هذه نعمة أم نقمة؟ صرت بنظر البعض شخصاً متعباً وأحياناً مبالغاً بالتفاصيل والدقّة وتلاوة تسلسل الأحداث، ومنهم من ينعتني ساخراً بالفيلسوف، كثيراً ما رغبت بالبكاء والصراخ ولطم وجهي ودق رأسي بالحائط، هكذا فأنا لا أستطيع أن أنسى الوادي، هو أمامي بكل تفاصيل الديار، ومن يقطن فيه من ناس ومَوَاشٍ ونبات وأحراش، هذا هو بيتي وعشيرتي وربْعي، إنّه شيء يشبهني وموجز وبسيط لكنّه عظيم، وطني هُم الذين أحبهم، وطني أنتم ولا أحد سواكم.
عادت الذاكرة تستعيدني، مثل المنام الذي يطاردني، منذ أن غادرت وادي الحنداج، سيدنا المنطار”خنّاق العصافير” العارف بعلم الغيب وبأحوال العباد والبلاد والإنس والجان، وقد وقف يصد الناس ويمنعهم من ترك الوادي أمام قصف الطائرات، ويقول هذا امتحان من الرب، لماذا تهربون منه؟ والناس لا تصغي لمواعظه كما من قبل هاربة في الوديان، وأنا في سبات عميق مجرداً من ملابسي.
لم يكن أبي في البيت، استيقظت على ضربة قوية من أمّي على خاصرتي، إذ انه صار لها وقت طويل تحاول إيقاظي ولم أستيقظ، فنهضت وأنا أبكي وأقول لها لماذا ضربتيني؟ فقالت اليهود دخلوا وسط العرب يضربون القنابل، وصرخت هيّا استيقظ ألم تسمع دوي القنابل؟ هل أنت أطرش؟ هيّا نهرب فالعرب كلهم هربوا.
فخرجنا من البيت، وأنا شبه عارٍ، وهربنا، كان الظلام دامساً لا نرى أمامنا، فوقعت في جورة مليئة بنبات القرّيص ذلك النبات الشتوي بورقه المليء بالشوك الذي يشبه الزغب، إذا لامس الجلد يسبب حكة مؤلمة، وفيها بقايا شجرة سدر تلك الشجرة الخرافية التي قدّستها بعض القرى ظنّاً منهم أنها تصلّي ليلا وتقف نهاراً، فهي شجرة عالية من فصيلة العنّاب ولها شوك قوي، ثمرها يدعى الدوم فيه بزرة واحدة، لون الثمر أصفر لذيذ الطعم.
هكذا امتلأ جسمي بشوك القرّيص وشوك السدر، ولشدة خوفي نهضت وأخذنا نجري حتى وصلنا إلى خُلّة قديرة، وهي إحدى روافد وادي الحنداج، فوجدنا معظم النّاس قد تجمّعوا قبلنا هناك، لكن الشباب عادوا يستطلعون الأمر، فلم يجدوا يهوداً ولا من يحزنون، فـأعطوا إشارة صوتية للعرب أن يرجعوا إلى بيوتهم.




الإشارة هو أن يصرخ أحد الناس بأعلى صوته من مكان عالٍ قائلاً: “طيبة، طيبة” بمعنى أمان، فعدنا إلى بيوتنا، وتبيّن فيما بعد أنّ المجنون أبو زغلول هو الذي فجّر اللغم بالوادي، ولا أحد يعرف من أين عثر عليه، لكن بعد فترة قصيرة من ذلك وبعد منتصف الليل هاجم جيش الهاغانا قرية الحسينية الصغيرة، وسمعنا زخّات من الرشاشات وكانت أصوات الإنفجارات تسمع بوضوح.
حاصر جيش “الهاغانا” البلدة ونسف نصف بيوتها وقتل نصف سكان البلدة من النساء والأطفال والشيوخ، وظلّ شيخ العشيرة هناك ولم يمسّه أحد بسوء، هكذا وافترقت عن صديقي سفيان منذ ذلك الزمن.
واستشهد أحد الثوّار من قبيلتنا وآخر انسحب راكضاً إلى أن وصل إلى مكان يدعى درب الحصاد، يقع في منتصف المسافة بيننا وبين الحسينية، وهناك سقط ولم يعد يقوى على الحركة، فنقله بعض الشبّان إلى مستشفى بنت جبيل، فعولج هناك حتى شفي.
بعد معركة الحسينية نزحَت قبيلتنا إلى الحُرش، وهو مكان أكثر أمناً حيث يقع في منطقة جبلية وعرة، وفي الحُرش يوجد خربة كفرية يقال انها من أيام الكفار، وفيها صُنع المنسف، وهو عبارة عن منسف قليل العمق منحوت بالصخور يمتلىء بماء المطر في فصل الشتاء.
وبدأت العرب تتناقل الأخبار والأساطير عن صنع المنسف وأنّه يحتوي على كنز من الذهب الكثير، مرصود بالجن.
والواقع أنّ عربنا يحفظون الكثير من الأساطير ويتناقلونها جيلاً عن جيل، لكن بعد معركة الحسينية كَثُر تداول هذه الأساطير وكأنها حقائق مسلّم بها، هل كثرة تداول هذه الأساطير سببها شعورهم بالضعف وحاجتهم إليها، الخلاصة أنني كنت أسمع من أهلي ومن غيرهم هذه الأساطير بكثرة.
زعموا أن المنسف الصخري الذي نطلق عليه الحجر المخزوق مليئاً بالذهب، وقد رصده الجان أيام الملك سليمان، ويقسم أحد رجال القبيلة بالله وبالمنطار أغلظ الأيمان وبالطلاق ثلاثاً من زوجته أنّه رأى الذهب بأم عينيه في ذلك المنسف، إلا أنّه لم يحافظ على وصية سيدنا المنطار، الذي أتاه ليلاً وقال له: “أنت رجل صالح من أهل الله وفقير، إذهب إلى المنسف ليلة الجمعة القادمة بعد أن تغتسل وتتطهّر، وتأخذ معك قليلاً من البُخور وتحرقه منتصف الليل قرب المنسف، فسوف تجده مليئاً بالذهب، خذ منه قدر صاع فقط وسوف تغتني إلى ولد الولد.
ويتابع عوض قائلا: ولكنّني لم أستحم بعد أن ضاجعت زوجتي تلك الليلة، ذهبت ورأيت الذهب فعلاً في صنع المنسف بعينيّ، هاتين اللّتين سيأكلهما الدود، ولما مدَدت يدي وكنت جَنِباً اختفى الذهب وبقي الماء.
وكما ازداد حديث عربنا عن الجن والكنوز المرصودة، كثر حديثهم كذلك عن أضرحة الأولياء الصالحين وكراماتهم والمعجزات التي يأتون.
ومن هذه الأضرحة، ضريح سيدنا النطّاح ناطح الأعداء، وسيدنا الصديق الذي عاش منفرداً ومات وقُبِر منفرداً في الوعر جنوب الحُرش.
وأما أكثر الأولياء شأناً على الإطلاق فهو سيدنا المنطار “خنّاق العصافير”، وسُمّي كذلك لأنه كان يخنق العصافير إذا ما نقدت من القمح أو البرغل أو الحبوب التي يضعها الناس أمانة قرب المنطار. فالمنطار يحافظ على أمانات الناس ويخنق العصافير بحبوب القمح نتيجة عدوانها الغاشم على الأمانات.
ويظهر سيدنا المنطار بجبّته الخضراء وعمامته البيضاء، يسير الهوينا حتى يصل إلى الرجل المذنّب أو المرأة المذنّبة ويبدأ بضربهما ضرباً مبرحاً، فهو لا يكتفي بضرب العصافير، بل يضرب الآدميين كذلك.
والواقع أن المتّهم غير البريء من عربنا يفضل أن يحلف بالله العظيم أو القرآن ألف مرة بدلاً من أن يحلف على المنطار كاذباً.
ولما فقدت “كرمه” وهي سيدة من عشيرتنا مصاغها واتهمت جارتها “ذيبة” بالسرقة، إلا أنّها أنكرت بشدة ما نُسب إليها وحلفت على المصحف.
وعلى الرغم من أنّها حلفت على القرآن، لم تقتنع كرمة ببراءة ذيبة ذات السوابق التي كانت تتردد كثيراً على بيتها. ودار بينهما الحوار التالي:
– أنا لست مقتنعة ببراءتك يا ذيبة.
– لم أسرق مجوهراتك يا كرمة وقد حلفت لك على المصحف.
– لكنني أريد أن أحلّفك على سيدنا المنطار.
– أنا لم أسرق ومستعدة ان أحلف على سيدنا المنطار.
– إذاً اغتسلي يوم الجمعة حتى نذهب إلى المنطار.
اغتسلت ذيبة وتوجّهت مع كرمة إلى ضريح سيدنا المنطار “خناق العصافير” وأقسمت أنّها لم تسرق مصاغ كرمة ورجعتا.
عند منتصف الليل أفاق معظم الجيران على صراخ ذيبة التي أصيبت بالرعب والهلع الشديدين وهي تصرخ مسترحمة سيدنا المنطار الذي كان يضربها بعنف بمحجنة اللوز بلا شفقة ولا رحمة، ولمّا سألها الجيران لماذا تصرخين، إنّنا لا نرى شيئاً؟ قالت ذيبة إنّه يضربني بعنف ألا ترونه؟ إنّه يقتلني. “دخيلك يا سيدنا يا منطار “اعفُ عني أنا التي سرقت المجوهرات، وهي موضوعة تحت الحجر الكبير أمام بيتي”.
هرع الناس إلى الحجر المذكور ووجدوا المجوهرات فعلاً، ومع طلوع الفجر أسلمت ذيبة الروح، ليس بسبب ضربات المنطار، بل بسبب الخوف النفسي لقناعتها أنّ المنطار يستطيع أن يحيي ويميت.
سيدنا المنطار الذي يخنق العصافير البريئة المسكينة عقاباً لها لأنها تسرق القمح، لم يستطع أن يفعل شيئاً للعصابات التي سرقت الأرض، ولم يصدق أحد أن الهاغاناه بحشوا بالمعاول ضريح المنطار، بحثاً عن النذورات التي كان يضعها المؤمنون، ومع ذلك لم يُصِب أحد منهم بأذى لأنّهم لا يخافون المنطار.




تنتشر في الوادي أسرار وخفايا وسط الآثار القديمة التي ربما تعود إلى ما قبل ميلاد النبي موسى وميلاد السيد المسيح، وفيها الكثير من المقابر المنحوتة في الصخر، والصخور التي نحتها الإنسان على شكل الرحى وقد ثُقبت في الوسط، وهناك حجر مستدير مثقوب في الوسط قُطره حوالي ثلاثة أمتار، وسماكته لا تقل عن متر ونصف، غُرس نصفه في التراب، يقدّسه أفراد قبيلتنا ويدفنون بعض موتاهم بالقرب منه، ويقسمون أغلظ الأيمان “بالحجر المخزوق”.
وفي أرض عربنا الكثير من المغاور الطبيعية، وقد اسودت جدرانها الداخلية من نيران الإنسان، الحرائق التي كان يشعلها اتقاء من البرد القارس وليطهو عليها لحوم طرائده.
وهناك مغارة “أبو زغلول” التي تسكنها إحدى عذارى الجن الفائقة الجمال، وبالقرب منها تينة تثمر تيناً لذيذ الطعم. ولماذا سُميت تينة ومغارة “أبو زغلول” فلذلك حكاية يتناقلها النّاس جيلاً بعد جيل:
“أبو زغلول” رجل بهلول يرعى الجمال، وفي أحد الأيام أكل من ثمر التين ثمّ جلس في ظل التينة، وهو لا يدري ما إذا أخذته سنَةٌ من النوم، ورأى حلماً أم أنّه كان في وعيه، المهم أنّ عربنا يُقسمون أغلظ الأيمان أنّه لم ينم ولم يكن يحلم، بل حصلت معه القصة التالية فعلاً في وعيه وليس في منامه:
بينما كان أبو زغلول جالساً في ظل التينة، جاءته فتاة ساحرة، فائقة الجمال تدق جبينها بوشم صغير بشكل مثلث وآخر بشكل شامة، في أسفل ذقنها، أخذت تُغازله ثمّ قبّلته قبلاً تفوق حلاوتها الشهد، وللعلم فإنّ الفتاة لم تكن ترتدي ملابس المدن أو الفلاحين، بل كانت ترتدي ملابس البدويات، ولما سألها من أي عرب أنت، قالت أنا من عرب ألف ليلة وليلة، أخذت تنام على صدره تارة وينام على صدرها تارة أخرى، دون أي مضاجعة جديّة.
بعد فترة من المعاشرة شعر أبو زغلول أنّها عندما تنام على صدره كأنّ أطناناً من الحديد تجثُم فوقه، وشعر بالقلق… ثمّ يشعر بالخوف عندما رأى شكل عينيها يتغير، فاستأذنها لقضاء حاجته، وما إن غاب عن مرمى بصرها حتى فرّ هارباً.
كان خيالياً إلى حد أنّه ينظر خلفه فيراها تجري وقامتها تطول ثم تطول حتى أصبح رأسها يلامس الغيوم، ثمّ تتحوّل إلى عامود من دخان بدّدته الرياح. ومن خلف الأشجار يُطل رأس المنطار بلحيته البيضاء المشتعلة شيباً كقمة جبل الشيخ، يحدّق في وجهي منادياً أميرة واختفى بسرعة هائلة. صرت أدخل مع الصغار إلى الجامع ظنّاً منّا أنه المكان الأكثر أمناً في الكون، لا يجرؤ أحد على اقتحامه، لأنّه محروس من حرّاس الجان وملائكة الرحمن، وهم يأتمرون بأوامر شيخنا المنطار.
وهل يعقل أن يدنّس الاستعمار بيوت الله؟ كان يخطب فينا قائلاً: للبيت ربٌ يحميه. وفي الصباح الباكر وصل لعربنا من نجا من القرية المنكوبة، وقد جُرِح أبو زغلول في تلك المعركة.
تذكر الزعتر بعد مضي سنواتٍ عديدةٍ على الحادث المفجع الذي تعرض له، أن لقب الزعتر قد حل مكان أسمه الحقيقي وصار يعني له أشياء كثيرة، علماً أنه هو من أطلقه على صديقه الماعز، ويقف في هذا المكان الذي يحمل الإسم ذاته، حيث عيّن حديثاً مدرساً لمادة العلوم في مدرسة المخيم، ورغم كل ما يعانيه من حالة الأرق، لكنه يصر على القيام بواجبه في تدريس حصته المقررة للتلاميذ.
أما حالته فقد أصبحت أكثر سوءاً نتيجة ما حصل له في ذلك المساء القصي، وأن حالة العجز لم تتوقف عند حدود أزمة القلب، حالة الشعور بالاحباط كفيلة وحدها بإيصاله إلى حالة من الجنون، خاصة بين ليلة وضحاها فقد قدرته الذكورية وأحس بضعفه الشديد ودخل في سباق مع العلاج والادوية والعمليات الجراحية يعلم انه قد لا تفيد ولكنه لا يريد أن يفقد الأمل.
أكثر من مرة خضع لعلاج جراحي فاشل، بعدها أحس أن الحياة لا تطاق وانها أصبحت استحالة، الكل يهمس أنه رجل بالاسم فقط، بين الجنون وفوضى الذاكرة أصبح أكثر تمسكاً بالحياة، يريد الحديث عن الاشياء الجميلة ليؤكد بأنه الآن أصبح بأشد الحاجة إليها، فاضت ذاكرته المكبوتة كنهر هائج يكسر سدود الرغبة، ممّا جعله ينفي نفسه عن فضاء العالم الخارجي إلى دهاليز نفسه البطانية في عملية تحولات لا تنتهي.
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* من منشورات دار الفارابي 2017م.
* روائي فلسطيني مقيم في لبنان> صدر له: رواية “سفر أيوب” دار كنعان في دمشق، 2002، ونشر سبع روايات أخرى من خلال دار الفارابي في بيروت وهي: “زهرة الطين”، 2006؛ “حاسة هاربة” ، 2008؛ “جفرا … لغاية في نفسها”، 2010؛ ثم “إيفان الفلسطيني” و “شيرديل الثاني”، 2013 ورواية “60 مليون زهرة”، 2016 … وأخيرا “الزعتر الأخير” 2017.
الرواية نت – خاصّ.
http://alriwaya.net/%D9%81%D8%B5%D9%84-%D9%85%D9%86-%D8%B1%D9%88%D8%A7%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B2%D8%B9%D8%AA%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%A3%D8%AE%D9%8A%D9%80%D8%B1/

الخميس، نوفمبر 09، 2017

" الزعتر الأخير" رواية تبحث عن الأسئلة العميقة

الروائي الفلسطيني عبد العال لـ القدس للأنباء": "الزعتر الأخير" تبحث عن الأسئلة العميقة!

وكالة القدس للأنباء - خاص

عمارته الروائية تكبر تجربةً فوق أخرى، وجديدها حجارة "الزعتر الأخير"، التي حاول من خلالها أن يمزج بين الواقع والخيال.
أسَس رواياته على ظروف المنفى، المخيم، معاناة الشتات وعذابات اللجوء، والحنين إلى الوطن.
اختار الروائي الفلسطيني مروان عبد العال بطله من البيئة التي يغرف منها أسئلته العميقة، التي لا حدود لها، تحدث لـ"وكالة القدس للأنباء" عن روايته الجديدة، والرسالة  التي تضمنتها، والذاكرة المشدودة إلى الأرض التي لا بديل عنها.
يقول عبد العال أن "أي عمل روائي له هو جزء من عمارته الروائية الذي يحاول أن يضيف له جديداً، فهناك أسلوب دائماً يكون فيه عدة ألسن، وعدة أصوات ومن مواقع مختلفة، وهذا يؤكد على فكرة التمازج الدائم بين مستويين : المستوى الواقعي والمستوى المتخيل".
وأوضح أن "المستوى المتخيل هو دائماً يحاول أن يعطي صورة أخرى  للواقع، ولا ينفصل  عنه كما هو الواقع، وليس توثيقاً ولا تأريخاً، إنما الواقع هو كما أراه بعين الروائي.
ويضيف عبد العال: " أنا جزء من الذي كونني وشكل هويتي هو المنفى، هو المخيم، هو هذه القضية الفلسطينية التي نحن نعيش بها، فمن الطبيعي أن تعطيني خيالاً خصباً، ومنحني الشتات مهمة للحفاظ على الذاكرة، ومن هذه البيئة تخرج الرواية ويخرج أبطالها".
ويشير إلى أن  العنوان "الزعتر الأخير" هو مفتاح الرواية "ويعكس ما في مضمونها، وأتمنى أن أكون قد وفقت في إختياري لهذا العنوان، لأنها عبارة عن حياة،  هذه الحياة تتكرر ولها أسئلة عميقة، بين إنسان اقتلع ليس فقط من أرضه، بل اقتلع من الحلم، وهذا الحلم ظلَ يتواصل معه، وترك فيه آثاراً كبيرة في حياته، إلى المخيم الذي يمثل جرحاً كبيراً، وعندما نقول "الجرح الأخير"..  فنحن نتمنى على مآسينا أن لا تتكرر".
ويعتبر عبد العال أن "الزعتر موطن لا يتكرر"، فيمثل  الذاكرة، فهو زعتر ينبت في الأرض في وادي الحنداج، المكان الذي عاش فيه بطل الرواية، وبنفس الوقت هو كان لديه ماعز، الصديق الذي كان يرافقه في ذاك الوادي، في تلك الأرض في الوطن، فالوطن هو تلك الأشياء الصغيرة البسيطة في الطفولة، والتي تشعرك بالأمان وتشدك لها. فالصخب الذي عاشه في المنافي، القسوة التي عاشها في الشتات، دائماً تلك الأشياء  الصغيرة وطفولته التي عاشت معه".
ويقول: "تستطيع اقتلاع الإنسان من حلمه، ولكنك لا تستطيع اقتلاعه من ذاكرته، فهو هذه الذاكرة التي عاشت فيه، وبالمناسبة هو كان يطلق على الماعز أسم "زعتر"، لأنه كان يحب نبتة  الزعتر الموجودة في ذلك الوادي، ولكنه عندما عاش حياته كان دائماً يتخيل ويتراءى  شبح هذا الماعز، فهذه الذاكرة الطفولية كانت دائماً تواكبه في حياته".
وحول سؤالنا عن علاقة بطل الرواية بمخيم تل الزعتر، يقول: "لا أستطيع الخروج من هذه البيئة التي صنعتني، ولكن من حقي أن أطرح أسئلة مهمة وكبيرة، كيف لي أن أحمي هذه الذاكرة،  ذاكرة فلسطين، هل حماية هذه الذاكرة الآن مازال ممكناً، لأن هناك أجيالاً تتناسل ، لذا القتال على جبهة الذاكرة يعتبر مقاومة،  وخاصة نحن أمام ذاكرة ليست فقط تتناسل وتتوارث، ويوجد ذاكرة تتكسر، وذاكرة تغتصب، وذاكرة تستلب، وذاكرة تهاجر، وذاكرة تطلب حق اللجوء، فهل هذه الذاكرة ستبقى بخير، أم أننا مازلنا في هذه المعركة المستمرة ."
ويرى أنه "هنا تكمن معركة حماية وصون البقاء، سواء كان بالمعنى المادي للكلمة، أو المعنى المعنوي للكلمة، بالمعنى الجسدي أو المعنى الروحي، بالمعنى الذاكرة أو بالمعنى الحلم، هذه من الأسئلة التي تطرحها حول فلسطين ليست هي عبارة عن شعارات سياسية، ولكن هي تحول فلسطين إلى تفاصيل صغيرة، في حياة إنسان عايشته، كانت كئيبة منذ بدايتها، فبطل الرواية الرئيسي يبدأ من الموت، ويذهب إلى إنفجار في الذاكرة. الموت نهايةالإنسان، وإذا كانت كذلك هل هو نهاية ذاكرته؟ هل نهاية أحلامه؟ يسير وهو يتلقى ضربات قوية في القلب نتيجة إصابات ونتيجة ظروف عاشها، كان يعتقد أنه ممكن أن يكتب ذاكرته، لكن هو أصيب بمرض نادر جداً وهو مرض الإفراط في الذاكرة، وهي متلازمة الذاكرة، وهذه تعطيه تفاصيل مؤلمة جداً، يتمنى أن ينساها، ولكن سيقولها في هذه الرواية، فهناك تفاصيل خاصة وعامة متعلقة بها. ولكنها حياة شعب عاشها، فلذلك أصبح ضائعاً بين أمرين : بين أن يحافظ على الذاكرة، وبين أن يتخلص من جزء ومن عبء وثقل، ومن حمولة هذه الذاكرة، إلى درجة إنه كان يتوقع أن يتوقف قلبه بعد جلطتين في  القلب، إلا أن الطبيب  كتب أن الوفاة لم تكن نتيجة توقف القلب، بل نتيجة الإنفجار في الذاكرة".
وحول ما إذا كان يشعر بأن بطل الرواية استطاع أن يتجاوز المؤلف، يجيب: "كل شيء كتب فيها وقالها، شعرت بأنه سيطر على النص، وبالتالي هو سيطر عليَ ككاتب، وسيطر ربما وأريده أن يسيطر على القارئ، ولذلك يوجد جزء كبير من شخصية واقعية كتبت، ولكن لم تكن تتوقع بأن هذا  الشيء يصبح بهذا الحجم من هذه الكلمات، والذاكرة تصبح بهذه الشحنات العالية والكبيرة، وفي كل هذه التناقضات التي كانت قائمة وموجودة، وهذا  الراعي الذي أصبح مربياً".
ويختم : "هذا زمن الشتات، حيث يوجد إحساس عال بالفقدان، وستترك بصمات هائلة على الشخصية،  ولكن استطاع بما روى وقال في النص، سواء كان في السيرة،حيث كان عبارة عن سمفونية متواصلة لا تستطيع أن تقطعها بسهولة، يوجد التباس بهذا التناقض بين زعتر عاشه في قلب الوادي، رافقه بماعز لم تتكر في حياته،  ولا تتكرر إلا إذا كان في قلب الوطن، لا يمكن أن تتكرر خارج الوطن، وبالمناسبة لو شاهد كل المدن والبلاد ، لكنه لا يمكن أن يشاهد بديلاً لتلك البساطة والبداوة، الحياة البرية التي عاشها في كل تفاصيلها، زعتر فلسطين، ذاك الوطن لا يمكن أن يتكرر، لذلك هو زعتره الاول والاخير وبنفس الوقت هي أمنية أن ما حدث في تل الزعتر  يتمناه أن يكون الأخير."
12:20 - 09 تشرين الثاني, 2017

صاحبي .. بالفلسطيني المشبرح

في أمسية بيروتية وبإستضافة (دار الندوة) كان حظي وافراً بمن كرمهم المنتدى القومي العربي وبمناسبة مئوية الخالد جمال عبد الناصر ، ومن بينه...