المشاركات

يا شآم كلّكِ أميرة !

صورة
جرأة الشوق أن تجتاح فيروز، صباح الحي الدمشقي صهيلا على مدّ الشّوارع، نازعا قفل النّزوحِ من حقيبة سفر. تشرخ أرقامه تعاويذ الإستباحة والبحث عن شيء لا تعرفه لأنّه ليس فيك. تتلاشى أسرارُ الصّمت كلّها تحت سطوة صوتها. هناك، وفقط هناك لا يمكنه أن يكتم في القلب سرا. لا تعرفُ أنتَ من يغلّ كلماتك حرجا وانت تقترب من مدينة موغلة في الحب الثقيل، وفي حرب الياقات الباذخة من أجل موت نحيل. تمتطي الضحية كل الطرق، تروى على مسامع الزائر يوميات قتل يوميٍّ بشع، تتسرب تحت المعاطف الثمينة لتحرق أعصاب منتحلي رمزها على كل المفارق. تتناثر فتات رجفٍ بين صمت يخترقه أزيز طلقة، وطريق يُعّبد بجثث قتلى منزوعي العناوين ممسوحي الصّور. رغم ذلك، ألحّت لياقة الزّيارة بواجب عِيَادةِ الأمكنة المكابرة. مع إلحاحها تذكّرتُ ذات وجعٍ، يوم خذلتني مناديل النسوة على أبواب المخيم، كلّ نزوح يستطيع أن يخذل قلبك من قاع لهفتِه! لطالما أبقتني الدموع طفلا خائبا لا يعرف طريق الوصول. كأنِّي أتوسّل الوجوه في اللقاء الباهت، ولا أعثر، رغم اجتهاداتي النّادرة في التوسّل، عليها في خرائب الروح. تبدّلت نظرات المدينة، وتربصت ابتسامة حذرة على ...

حواس خرافية

صورة
منذ مدة غير بعيدة، تسللت طيور الى غرفته، اخترقت جدارة الزهر بدون حواجز تمنعها من العربشة فوق حافة حجارة نافذته الرمادية ، لتقيم هناك طقوسها اللّهية في عرس القمر، تنشد اغانيها فوق حقول مغطاة بالثلج، حتى انفجرت ينابيع الحواس، لحظتها عادت الأنهار تسجد على أقدام ربات الماء، تعانق ابنها باجنحة سريعة تحترق بخصلة من شعرها اللازوردي وآهات منحوتة من صخر. عندما تذكرته تحول جسمها الى ماء، كلما كانت تلين عظامها فتصير مثل جداول ندية، تتفكك ثم تتلاشى في أمواجه المالحة . تعّرف الطفل على أمه جيدا وهي تنفخ الجحيم فيشتعل الهواء ويسقط صريعا في مهده المقدس . من فرط المطر كانت الأرض تعلن بزوغ القمح في ساعة الأخضر. أعطته من نبيذها القرنفلي خميرة الحصاد، عصرته بين شفتيها وقطفته ببراءة ، فعاد الى شكله الاول ، يختال في ليل مخيم ، يلهث وراء زمن مستحيل ، نصفه يتلألأ فرحاً، والنصف الآخر يبحث عن غيمة تسيل ضائعة من صدرها، فيؤدي الصلاة في مقام الانبياء وهو عالق في الفضاء، ليسألها : من أنت يا أنت ؟ من أين أتيت؟ وأين وطنك ؟ ما اسمك ؟ فجأة تصاعد البخ...

الضاحية الساخرة

صورة
(نص كتب   خلال حرب تموز عام   2006 كانت   قامة الضاحية تعلو   فوق صواريخ الطائرات الصهيونية ، اعيد نشره في تموز 2013) ضاحية المدينة المعلقة على جهة الجنوب ، خرجت اليوم   تسخر من جلادها المنتفخ حقدا . ضحية تأبى الاستكانة ، متمردة على الجلاد ، تمتطي صهوة الشمس ، وهي تهزأ من غطرسته التاريخية المسربلة بالغرور. . هي الضاحية الساخرة.. تنادي قمرها، تعال وانظر.. فلا تقاسيم الوجه حجبته الأتربة ولا عبق الأغبرة، تصارع جنون البارود وسواد الحرائق. من هنا مر الوحش العابر لحدود الإنسانية والأخلاق، فأبدع جريمته الذكية بتصاميم سريالية.. رصيف يتكوّم فوق الشارع الفسيح، ومبنى استكان لنومة هادئة، وآخر تمايل فوق شقيقته الجاثية على ركبتيها، مجزرة مبان بلا أطراف وبلا أعناق وبلا رؤوس، كأنها هيكل واحد في مسلخ أو متحف القتل الصهيوني البشع. تدخلها فتدخل في أوصالك، وتناجيك كي لا تحزن، دمارها ثمن الحرية، ورمادها عربون التحدّي وبحور الكبرياء.. ووسام الشرف. هي الشامخة في ليل الغارات، تحت النار تزداد طهراً، كي تصير العواصم كلها ضاحية كبرياء تقتفى خطوات الضاحية الجنوبية.. وهي تشير إل...

لو دقت ساعة التل !

صورة
              كم هي جديرة   باسمها وهويتها وأهلها، طرابلس الشام ، مدينتي بالتبني مثلما جاء لها القمح من   بيادر قريبة فوجد له في المدينة اسما ، أنا الفلسطيني الذي يأبى الا ان يقحم   نفسه عرفانا بالجميل لها ، لتأذن لي وحدي بالاعتراف، أن بيني وبينها قصة شغف و ماء وخبز وملح وحبر وجرعة هواء نظيف. تفتحت فيها براعمنا على أول الاشياء،عرفنا فيها ذواتنا واكتشفنا اختلافنا وتلمسنا معنى حياتنا ولو بالمقارنة ، فكانت بحق هي   ابجدية المدن ، بعدها   أتت باقي المدن الاخرى . تغيظنا المدينة بالصدمة الاولى وبواكير التجربة ، تقهرنا بمتعة عشوائية   ملونة بالخربشات الاولى فوق نتوءات جدار الغربة .             لم يسبق ان سمعنا   دقات ساعة التل ،   تصمت لكن لا وجعا ولا خشوعا ، تنتصب بكبرياء في برجها الرابض في قلب المدينة ، في ساحة   تعج بالمارة ، أرادت أن تبهرنا   في كل شيء ، لتختبر فينا الحواس المكبوتة، فتنفجر في الحلق مرارة   الدهشة بالجديد ...

سمعة المخيم ليست كبش فداء

صورة
  ولما كان الحياد الأيجابي بالنسبة لنا يعني الانحياز للسلم الأهلي ورفض منطق تحويل سمعة المخيم الى كبش فداء يتم تنفيس الفتنة المتجولة فيه ولسنا مختبرا لقياس درجات الاحتقان والفلتان هنا وهناك. قد نفهم ان يكون الاعلام مباحاً وحرا، لكن ان يستبيح الآخر فتلك الكارثة، فحق السبق الصحفي لا يبرر الخروج عن المهنية. بالسبة لنا هذا الامر يقع في نطاق السياسة المعادية والسلبية المكشوفة بمآربها وغايتها ومرادها. ولمّا كان الوعي الشعبي والسياسي الفلسطيني ضمانة الاستقرار لذا كانت لغة الفتنة المسمومة لأعادة انتاج العداوة والكراهية للوجود الفلسطيني بوهم ادخاله في اتون الازمة   وفق الخيال المريض لمروجيها التي طالما حصرت النظر للفلسطيني من باب أنه الخطر الكامن والمفترض والمتوقع . ولمّا ظل الفلسطيني يؤكد أنه ليس أمتداداً أحتياطياً في الصراعات الداخلية ، تكون بقصد تشويه صورة الوجود الفلسطيني فهو وفق الثقافة العنصرية ليس سوى "فزاعة" أو مشروع فتنة ،بل عود ثقاب جاهز لأشعال البلد، فتعطيه لبوسا طائفياَ ومذهبياَ وأمنياً وفق سناريوهات مختلقة وملفقة وكاذبة تعمل في نطاق الحرب النفسية على قاعدة ...

أيمكن أن نكون الاضافة ؟

صورة
"أيمكن أن يكون القدر مرتبا على هذه الصورة الرهيبة .. يا إلهي ..أيمكن ؟ " بهذا السؤال الموجع صدح صوت الشهيد غسان كنفاني يوما، في وجه الخديعة ممسكا بسلاح " الحقيقة كل الحقيقة للجماهير " وظل حتى استشهاده يفتش عن فلسطين الحقيقية، مطلقا على الصفحات الاخيرة شاب من مخيم عين الحلوة ، ليشن الشاب ناجى العلي عبر حنظلة حربا ضروس بالحبر الفلسطيني الاسود لتحرير المخيلة العربية من الصورة السائدة . ولمّا تحول الأعلام الى خدعة بصرية   تكتب او تشاهد أو تقرأ بأبعادها الثلاثية، الصوت والصورة والكتابة، وكم صارت تبدو الصورة رهيبة في زمن " إعلام الغيتو "والاشاعة والتكرارالمستمر والمملل للكذبة كي تصير حقيقة.نعيد السؤال ثانية ذاته وبعد نصف قرن على دق جدران الصمت .   أيمكن أن نجعل منه صوت الناس النظيف الذي أن نطق سيحرر اللغة من المفردات الزائفة والخادعة ؟ وأن   يتقدم كي يستعيد الصورة التي تتعرض للتشويه وضياعها يؤدى الى اختطاف معنى   فلسطين، هذا المعنى الذي لا يستمر ويكبر إلاّ بالأضافة، لأنها الغاية الأسمى من كل المفردات، ندرك في سرنا كم يليق بها تحدي الابداع، المعزز بص...

عن الإيحاء الإيجابي في "ذهبت مع الخريف

صورة
              بعد التحية للحضور الكريم،   رفاق الحلم والهم والقلم،   للجهة الداعية منظمة الشبيبة الفلسطينية وفي (دار الندوة ) خيمة ثقافية عريقة وتحية لمن كان سبب اللقاء الذي اجتمعنا حوله نستظل الوطن والكلمة وخيمة المنفى هذه المرة القاص فايز رشيد. وبمناسبة إطلاق اضمومته القصصية   الجديدة   "ذهبت مع الخريف" .              ما قيمة كل نص أدبي رفيع   إن كان لا ينبض بقوة الإيحاء؟   لأن ندرة النوع الادبي تكمن في وجود الاسلوب الاجمل للافصاح عن النفس، والسرد عموما   مثل كيمياء الحياة، لديه المحرك المكثف للقراءة الإيحائية. لان قوة الايحاء في قصص فايز رشيد   حفزتني لرصد حركتها اكثر وقراءاتها ليس من باب النقد الذي لا ادعيه. وجود هذه الحركة بتموجاتها وانسيابها   تكشف حجم الخزين الذي يتكىء عليه القاص من واقع غني وتجربة ثرية ومآثر اجتماعية   فريدة في تنوعها،   لذلك اعطى للسرد ايقاعه الخاص ونسيجة الفني وتعابيره الراقية وحبكته الحكائ...