المشاركات

المفكر الذي ما استقال من السؤال !

صورة
مر زمن على رحيله، وهو يفعل في ذاكرتنا ووجداننا، ويتفاعل في كيميائنا الروحية، يكوّن ذاتنا وهي تشكل على أدبه، وحسّنا الذي ينمو بإبداعاته، ونستمر مع كل ذكرى لغيابه نبحث عنه وفبه، بأبعاده وخلفياته، في فكره وحلمه، ولنكتشف كل مرة خسارته تكبر وحزننا يتسع، وأن ثمة قصة لم تكتمل، وحكاية تضاف، وسؤال يشتعل. عادة نكرّم الشىء من مدخل صناعه، مثلما الإبداع والعلم والثقافة والفكر والفن، والجدير اليوم أن نكرّم السؤال من مدخل السائل.. السؤال الذي ميزانه عقل ومبتغاه الحقيقة وأسهم في اكتشاف كنزنا الثمين الكامن في ذاتنا، والذي بات خطراً على العدو، يستحق الاسقاط، فكان السائل " غسان " شهيداً كي يلحق السؤال به وتتبعثر الأجوبة في غيابه. السؤال الذي دق به غسان كنفاني جدران رؤوسنا عقب هزيمة 1967، في صدى الفراغ الذي ارتعش في آذاننا، باكتشاف سهل وممتنع بأن يسألنا ويسأل ذاته : " ما الذي حصل لنا يا ترى، ولماذا حصل ما حصل ؟ وهل ثمة خطأ في المعادلة ؟ ودائرة الفكر السياسي المحكم عند غسان كنفاني، ترفض أن تلتقي الحقيقة بصورة عابرة ولا يشبع ذاته نصفها. تجده يغوص في المعرفة يبحث بأسئلته في أصل الأشياء، يعيده...

جدلٌ في زمن " لا شيء "

صورة
الكلمة لا يثقبها الرصاص، كما الذاكرة لا يقتلها النسيان، أستميح الذكرى الحية بعض من خيال متاح، في اقتراف جدل مع غائب في زمن يقتفي خطى السنوات ويستعيد الجلسة الصباحية مع كاتب اشتعل رأسه بالشيب وقد ناهز من العمر الخامسة والسبعون. لا يمكن وصف المشهد الأخير صباح يوم اغتيال غسان كنفاني كدقة ما وصفته العزيزة السيدة آني كنفاني بقولها: (يوم السبت 8 تموز 1972جلسنا أطول من المعتاد نحتسي فنجان قهوة على شرفة بيتنا في الحازمية. تحدث غسان كعادته في أمور كثيرة، واستمعنا كعادتنا باهتمام لحديث ذكريات عن طفولته في فلسطين مع أخته فايزة، وقبل أن يغادرنا في الساعة الحادية عشرة إلى مكتبه أصلح القطار الكهربائي اللعبة المفضلة لابننا فايز، وكان على لميس ابنة أخته أن ترافقه لزيارة أقارب لنا في وسط بيروت.) يدور الحديث على طيف شبح الثورات الذي يجول في تضاريس الخارطة العربية، سيقرع الكلام حتما على جدران الخزان الذي لم تمل الأيدي من قرعه يوما. نتداول في حالة جدل مفترض ومباح عن زحف مسيرات إلى الحدود، لا لتستعيد وطناً بل لتدنو منه ولو لساعات، وتولد معها تلك الروح الشعبية المقاتلة، في اختراق جميل، لبطل جما...

" سفر أيوب " : نصه الأول في روايته الأولى

صورة
ها هو صابر أيوب اليافاوي بطل رواية مروان عبد العال الاولى (سفر ايوب).. يتغرّب شرقاً.. يبحث في تفاصيل الليل عن درب في عالم رمادي بلا لون في قمة التيه الجديد. يغور في مسالكها، حدودها، مياهها، أشواكها، ويصبح داخلها مثل حبة نوى في برتقالة. فرق كبير بين أن تعيش المأساة وأن تدركها، وهو نفس الفرق بين أن تكون حزيناً وأن تدرك معنى حزنك. فبين الرؤية القاتمة والإدراك الناصع، يتراوح الوجود بين ظاهر ماثل للعيان ومدرك كلي. إنّ التراجيديا الواقعية، والتي انعكست فيها تناقضات الواقع العربي وقضاياه الحقيقية المبسطة، امتدت مع مأساة فلسطين استمرارية كثيفة قاتلة لتختصر مرة واحدة أزمة المفاهيم العامة القاطنة في دهاليز الوجدان العربي حتى ذلك الحين، ولتجسم بكل حدة وعفوية وبساطة مأساة الصراع الحقيقي المستتر بين الضمير العربي ككل وبين محترفي السياسة من النفعيين والإقطاعيين. لقد انحسر القناع وسقط ملوثاً بالوحل دفعة واحدة، هذا القناع الذي لم يكن يشف حتى ذلك الحين إلا عن منارة القيادة، واستطاع الوجدان العربي أن يستيقظ هذه المرة أيضاً. ولكن الجرح الإلهي الوحيد: الأرض – الأم الحنون التي اغتصبها الصهاينة، فلسطين الش...

مقاطع بالأبيض والأسود

صورة
المقطع الاول: ليل كله ليل وعتمة كلها عتمة، تنام على حافة الشارع، شقة ( سيلفانو )؛ نخيط فيها ثوب الاختباء على الطريق الإيطالي نحو الاشتراكية ( للرفيق بالميرو تولياتي ) بقي الطريق والشارع الطويل والرصيف الهادىء لكنه نحو العدم. بيت للعتمة، نسيج لخلايا النحل الأبيض. أبيض وأسود مقطع من مبنى، تحتجب داخله غرف صغيرة وأليفة منشورة كحبال الغسيل في كومة من مباني.. غرفة مفتوحة على غرف. وصمت ينفتح على صوت فيروز. وينقطع برنين الهاتف: ( برونتو ) ... تستيقظ في عيون سلفانو المهمة ( يللا ). ويسير بين الطلقات. روما 2001 المقطع الثاني: السلالم تحمل نعلها صعوداً وهبوطاً. تحت إبطها ملف من ورق وألواح. هي مكتب متجول، على عتبات السلم، تطارد الفجر... تطرق الباب، وقبل ( تشاو )... تعود، تدور المفاتيح في القفل السري: ( تشاو ) : مارتسيا تعود في منتصف الليل نحو أرجوحتها. تسرق نومها من تعب النهار: على عرش السرير حيث هدوء الريح تذوي مثل نحلة، تتلألأ كبؤبؤ في تعب العيون، مارتسيا في العمل. في المركز، في اللقاء، في الأغنية العربية والضيافة...

جفرا وجيفارا ورائحة الزعفران

صورة
o يدلف إليها في مساءات محمومه، وحده يملك معها حق اللقاء، بلا اذن مسبق، ترتوي بحضور فتى الضباب . وفي مروره المتكرر على زجاج القرية البعيده، ينساب من طيات الغيم كي يتنشق في طريقها المسكون بالضجر رائحة قديمه تسحبه الى امكنه بعيده ، تفوح بعبق تاريخ ، وطأته نبرات صوتها ، يوم هتفت في وجهه قائلة: :أنا وردة ذابله ادمنت الصمت. احس بشهقة فرح تنضح من أساريره، حينما غادرت سكوتها، فأن لحظة انفجارهاالداخلي، قد دقت. انفرجت عيناه ببريق ،هطلت لحرارتها حبيبات الماء، كانما الضباب خلع ملابسه وأطلق أقدامه تلتهم الرصيف الممتد من دكانها المثخن برائحة الزعفران الى البعيد. البائعة الصغيرة، تنزوي في نفسها وداخل قمقم اسمه دكان السمانه يملكه والدها في سوق شعبي في الحارة الفقيرة من البلده يحتوي على حوائج بيتيه، ومعها تمتلئ الارفف بالمعلبات يمر فتى الضباب اليها طلبا لحاجة، قهوة او علبه فول او سجائر، الملفت في كل الاوقات، تقبع في الدكان ذات البائعه،تلف نفسها بالصمت والخجل القريب من الخوف. لا تكاد تصل سن المراهقة، مكتنزة الجسم ،لواحظ عينين، تشق وجهها الأسمر، كنصل سيف مسنون ، فتحيل نظرتها الى ضوء جميل يختفى خلف سحابه ...

ايفان الفلسطيني

صورة
ايفان الفلسطيني ايفان وعرب وجهان لإنسان فلسطيني واحد قسّمته الغربة , يتحاوران في سرد ذاتي عميق , بعد سنوات من إنكار للذات وللماضي معا. يتّحد نهر الحوار في النّهاية الى انكسارات واحدة . عرب المولود في غربة مخيّم فلسطيني، تقذف به الاحلام الكبيرة الى غربة جديدة نحو مدينة " دورتموند" جنوب غرب ألمانيا، يبدل اسمه الى ايفان ، هربا من الذكرى، هذا الاسم الذي تقع فيه أزمة الهوية وتطرح على وقع هذه الاشكالية أسئلة الهويّة الذاتيّة . ايفان نفسه هو اسم (ايفان الرهيب او ايفان الرابع الذي ارتكب مجازر عام 1552 في روسيا) يحاور في داخله ( عرب )الشخصية الطفولية الذي حمله الى الغربة يطارده بكل تفاصيل حياته السابقة وأحلامه منذ دكّان أبيه في المخيّم ووعد أمّه بزواجه من ابنة خالته هنية الى حلمه في التّصوير الفوتوغرافي . يتعرض لصدمات هائلة وعنيفة ولأسئلة وجودية، لكن في نهاية الحبكة المؤلمة يلتقي بابنة خالته في الطائرة دون ان يعرفها اثناء زيارته الأولى الى المخيّم لحضور جنازة أمه. من هي الضّحيّة , ايفان أم عرب ؟ من قتل من ؟ وتنتهي الأحداث بانتحاره وهو في محاولة منه لقتل أسئلته وقتل غربته المؤلم...

أغنية قمرية حزينة

صورة
لا توجد مشقة أقسى وأصعب، من العثور على بطل، فكم هي جميلة هذه البداية، عندما يعثر الكاتب " عبد الكريم الحشاش " في مغارة " عجلان " بطل الرواية، على قصة يكملها بعد استشهاده فتصير " أرض القمر ". سيرة لولبية، تعج بالحكايات وتؤرخ لأحداث وتخرج بإنشاد مرتل، جميل وممتع، لتتحول بمجموعها إلى سمفونية قمرية، تدور في مدار أرضي تعزفها أنامل قاسية على وتر الربابة، وترنو بكلماتها شفاه بدوية، وتختلط فيها أغاني الحادي بحديث القوالة وسحجة الفرحين. كلها بحث فلسفي طربي عن بطل مفقود. تتنوع الشخصيات، تبرز ثم تتهمش، تعيش تفاصيل مفقودة في عقد الذاكرة الرملية الضائعة. تتطاير في سراب الصحراء والمنفى، وتزيل غشاوة جافة من على وجه رطب. فتنمو جميعها على جذع شخصية " عجلان " وفي مساحة واسعة. يدور الجميع حول " عجلان "، تعيش الحدث، والموقف من خلاله، تأتي الحكاية وتذهب.. تسير في قافلته الموزعة على أشلاء الوطن الكبير، وتدخل معه أعماق إنسانية مثقلة بالحزن والأسى. أراد الكاتب أن يبين الشاهد على الهزيمة، فوجد من شخصية " عجلان " مرآة للهزيمة، وهي تقع، وتتوالد، وتتمدد،...